العنف كان هو الظاهرة السائدة في مجتمع اللا دولة، أي قبل أن يخترع الإنسان الدولة لوقف العنف. إلا أن الفارق هو أن الإنسان في مجتمع الدولة قد أوكل إليها توظيف العنف لوقف العنف وتعزيز الاستقرار. وهو في هذا يسمى الأول بالعنف الشرعي، أي العنف الذي توظفه الدولة أحيانا ليس لعقاب المختلفين معها وإنما لاستمرار سلطتها. وهو عنف يمارس ليس لإخافة الآخرين كما يقولون وإنما لضبط نزاعات المجتمع.

وعنف الدولة المُشرعن مُباح بضوابط، تتشدد فيه بعض الدول، أي أن توظيف العنف هذا يتم بضوابط تكون السلطة فيها في الوقت الذي تكون مسؤولة عن ضبط الأمن إلا أنها مساءلة كذلك عن أية خروقات قد تتم اثناء تأديتها لعملها هذا وهي السمة السائدة غالبا في المجتمعات المتقدمة.. من الناحية الأخرى فإن هذه الضوابط تخف في المنظومة الأخرى من الدول بل أنه في بعض حالاتها عنفا متحللا من الضوابط. وهي السمة السائدة في الدول ذات الطابع البوليسي وفي الدول الشمولية في بعديها الأيديولوجي والديني.

فتاريخ العنف في الدولة الأيديولوجية لا يحتاج لكثير من البيان والتبيين. كما أن التاريخ الأوروبي مليء بأمثلة مرعبة لحالة بطش الدولة الدينية.. بل ان التاريخ يؤرخ أن بطش دولة طالبان الدينية لم يقتصر في ذلك على البشر وإنما طال في ذلك الحجر. فمحاولات طالبان تدمير تماثيل بوذا التاريخية في أفغانستان لم تستطع أن توقفه المنظمات والدول.

بل فشلت في ذلك محاولات شيخ الوسطية الإسلامية المعروف من إقناع حكام طالبان بوقف محاولاتهم هذه. وقد يستهوي البعض تقديم نقدا قاسيا لتجربة طالبان في حقوق الإنسان وقد يصمت عن نقد مقاربات الدولة الدينية في إيران لمنظومة حقوق الإنسان. وهي مقاربة قد تكون متقدمة في ذلك عن الحالة الطالبانية إلا أنها دون شك أدنى في ذلك من المتطلبات الدولية لحقوق الإنسان.

وهي دولة يعرف كلنا إنها قد جاءت مطيحة بدولة الشاة الذي مثل عنف الدولة ضد المجتمع فيها أهم ركائز قوتها هذا العنف الذي أصبح فيما بعد أحد النماذج التدريسية في علوم الاجتماع والسياسة والقانون والعلوم الشرطية الحديثة. وهو عنف تجاوز فيه جهاز السفاك المعروف كل الحدود الأخلاقية والأعراف والقيم والمواثيق الدولية، وهو عنف قاد إلى ما قاد من النتائج على الدولة في طهران.

بالمقابل فإن العنف الممارس من قبل الجهاز الاستخباراتي التابع للدولة الدينية بحق المعارضين لا يختلف من حيث النوع عن العنف الممارس في دولة أخرى. فالدولة التي قد أصبحت تعاني من مأزق في شرعيتها التاريخية بفعل ممانعتها لحركة التغيير قد لا تتوانى عن توظيف أعتى أساليب العنف لإسكات معارضيها. وهي في ذلك تعلو من شرعية توظيف العنف على أية شرعيات أخرى.

بمعنى آخر أن تبريرات توظيف العنف هنا لا تقتصر على تلك المبررات السياسية المعروفة مثل «الإضرار بمصالح النظام» أو «التعاطي مع قوى الاستنهاض العالمية» أو «المناوئين لقيم ورسالة النظام الإسلامي الحاكم» أي أن يوظف الدين كأحد مبررات التمادي في إلحاق الأذى في الخصم وأنما تدخل فيه أحيانا مسوغات ذات غطاء ديني مستمدة من الرموز الدينية المعروفة.

وكلما أشتد الصراع الداخلي بين القوى الشبابية الجديدة الدافعة نحو احداث قدر أكبر من التغيير السياسي في المجتمع والماسكين بالسلطة الدينية أو بين جماعات أقوى داخل المؤسسة الدينية الحاكمة: تقليديين ومحافظين مقابل إصلاحيين ومعتدلين فأن الدين سيمثل عاملا أخر في تبرير توظيف العنف بين الفرقاء وبين هؤلاء والقوى المطالبة بالتغيير.

من ناحية أخرى فإن حجم العنف الذي ألحقته الدولة بمعارضي نتائج الانتخابات والتي تفاوت بين الاعتقال والضرب وتهشيم الرؤوس والاعتقال والإيذاء والتعذيب، وقطع الاتصال بالخارج أمثلة على أن الدولة الدينية أو من يمسك بها، رغم راياتها الدينية المعلنة، إلا أنها في إدارتها للدولة وفي ممارساتها مع المختلفين معها قد لا تختلف عن أنماط الدولة الأخرى الموظفة للعنف في ضبط المجتمع. فهي في ذلك قد توظف كل الأساليب لإسكات معارضيها.

وهي أصوات لا يبدو أنها تعترض على الطبيعة الأيديولوجية للدولة الدينية القائمة، وإنما في أن تحتكر فئة في المجتمع الدولة لصالحها دون الآخرين.أي أن العنف يبقى في الدولة أداة يوظفها من يمسك بالدولة بحق المختلفين معه.

أن أحد أهم عوامل سقوط الدول أو أفولها ليست فحسب مسألة احتكار السلطة أو الاستئثار بها وإنما في عجز هذه الدول أو القائمين عليها عن أحداث قدر مهم من التغيير في إدارة الدولة للمجتمع وفي التعاطي الايجابي مع الخارج.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com