منذ بداية الألفية الثانية اتخذت الحركات الاجتماعية والسياسية نمطا جديدا أو ربما قالبا خاصا. ويتمثل برفع علم أو أعلام ذات لون معين.
في أوكرانيا وفي جورجيا، وفي لبنان، وفي كردستان العراق ومؤخرا في إيران. ميزت هذه الحركات نفسها بعلم ذي لون دون أن يكون له معنى رمزي يذكرنا بلون قوس قزح لشعوب الورد في الستينات، وإذا أردنا أن نذهب إلى أبعد في التاريخ فإنه يذكرنا بإعلام وبيارق القبائل. وقد تكون نوعا من الطوطمية التي تكلم عنها سيجموند فرويد.
ومع أن القاسم المشترك الأعظم لهذه الحركات الاجتماعية الجديدة هو المطالبة بالتغيير السياسي والاجتماعي، فإنها تشترك في عدم كونها حركات حزبية تقليدية، وتفتقد إلى الالتزام الأيديولوجي، وتعتمد بشكل استثنائي على وسائل الإعلام ـ الميديا، وبخاصة الميديا الالكترونية المعولمة.
ولكن هذه الحركات أظهرت في العقدين الماضيين خصائص إضافية أريد أن أتوسع في ذكرها هنا، وبخاصة في نتائجها المأسوية على الشعوب التي أنجبتها.
وأول هذه الخصائص، إنها حركات تتوالد من رحم الطبقات الوسطى. قد تكون لها صفات شعبية منتشرة بين فئات الشعب، ولكن محركها الأساسي الطبقة الوسطى الحضرية المتعلمة.
وكون الطبقة الوسطى تنطوي على فئات متنافرة، فإن حركاتها غير متحدة وعرضه للتمزق والتشرذم بسهولة كبيرة. في السابق، كما يقول سمير أمين في كتابه عن الطبقة والأمة، أن الطبقة العليا هي التي حفظت للأمة هويتها بتبنيها التراث المشترك.
وأسست نظاما ثقافيا وروحيا متكاملا للمجتمع العربي استطاع أن يصمد أمام الغزو الأجنبي منذ القرن الثالث عشر. ولكن الدولة الحديثة استولت على وظائف الطبقة العليا في العصور الحديثة. واعتمدت على الطبقة الوسطى في مرحلة ما بعد الاستعمار، فورثت الطبقة الوسطى وظيفة لم يكن بمقدورها أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية.
في المرحلة الحالية التي نعيش فيها، بعد فترة من مغازلة الحركات الاشتراكية واليسارية بعد انحسار الاستعمار، أخذت حركات الطبقات الوسطى مسارين متناقضين في الظاهر، ومتفقين في تسطيح القضايا الإستراتيجية وفي الابتذال الإيديولوجي.
وهذه هي الخاصية الثانية. هذا التسطيح يتمثل في العقيدة بأن الديمقراطية لا يمكن تطبيقها إلا بتقليد الغرب الرأسمالي، أو الصداقة مع الغرب الرأسمالي، والاستسلام إلى هيمنته السياسية والثقافية. فأصبحت الحداثة في الثقافة والمجتمع التشبه بالغرب أو اللحاق بالغرب.
وبالتالي فإن الأصالة بالضرورة هي في مقاومة الهيمنة الغربية الرأسمالية. وقد تكون هذه معادلة مقبولة ولكن الطبقة الوسطى، من دون وعي منها حصرت مقاومة الهيمنة الغربية بالحركات الدينية المحافظة، وعزلت الحركات اللادينية عن ميدان العمل السياسي، بل في بعض الأحيان حاربتها بلا هوادة. ويصدق هذا الاستنتاج على أغلب هذه الحركات ذات الإعلام الملونة.
مثلا في أوكرانيا وفي جورجيا هدفت بتطبيقها «الإصلاحات الديمقراطية» ليس الصداقة مع الغرب فقط وإنما الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وفي لبنان نجحت الموالاة في الانتخابات بفضل التهديدات الأميركية والإسرائيلية والأموال الأجنبية وهي تعلن صراحة صداقتها مع الغرب وتريد الاستسلام لرغباته. دول الخليج دخلت كشركاء وحلفاء لحلف الناتو وكأن الحلف مؤسسة ثقافية خيرية، وليس منظمة هدفها الاعتداء على الآخرين.
إذ ليس هناك تهديد فعلي لدول الناتو إلا في مخيلة أعضائها المصابين بالهلع من إرهاب الإسلام. وكعربون للاستسلام لإدارة الغرب إعلان هذه الثورات ذات الألوان المميزة رغبتها في العيش بسلام مع إسرائيل. سنة الحريري وموارنة جعجع يعلنون صراحة رغبتهم العيش بسلام مع إسرائيل.
ولكنهما يقعان في تناقض في كيف يريدون التطبيع مع إسرائيل، ولكنهما يرفضان توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. صلات جورجيا وأوكرانيا مع إسرائيل افتضحت عندما دخلا في مواجهة مع روسيا الاتحادية في الخريف الماضي.
الإيرانيون الذين صوتوا إلى موسوي وكأنهم يريدون ضمنا أن يعتذروا عن موقف الرئيس أحمدي نجاد من اليهود والمحرقة. دول الخليج بتبنيها مبادرة بيروت تريد أن تعطي إسرائيل سلاما أبديا لا تملكه مقابل أراضي تحتلها إسرائيل فعلا ولا أحد يضايقها في هذا الاحتلال. هذا العربون المجاني هو الخاصية الثالثة للثورات الملونة.
حتى الطبقة الوسطى الفلسطينية المؤيدة لفتح نفسها تريد أن تعيش بسلام مع إسرائيل داخل الأراضي المحتلة وخارجها. وهي ترفض حق العودة للاجئين كما فعل محمود عباس في مبادرته مع يوسي بيلين، لأنه في رأيها لو تحقق هذا المطلب سوف يؤدي إلى زيادة البطالة بين الفلسطينيين. أما الخاصية الرابعة لثورات الطبقة الوسطى الملونة هي أن قادتها ينحدرون من داخل النظام الحاكم، من جوف الآلة، أو من النخبة المهيمنة.
ومن السهل الاستدلال على انتهازية قيادات هذه الثورات: (أ) بمجرد أن تصل هذه القيادات إلى الحكم تنتهي هذه الثورات ولا يترتب عليها تغيير حقيقي. (ب) أو عندما تفشل هذه الثورات الملونة يتبخر أفرادها في معاناة الحياة اليومية وتصبح أثرا بعد عين.
(ج) أو يحقق الغرب عن طريقها غاياته النهائية، وهو تنصيب حاكم متسلط قوي ولكنه موال للغرب. أطالبكم أن تتأملوا هذه الاحتمالات الثلاثة. الاحتمال الأول تحقق في لبنان، الاحتمال الثاني أصبح واقعا في أوكرانيا، والاحتمال الثالث حدث فعلا في جورجيا، ويحدث الآن في العراق بالولادة العسيرة لقيادة المالكي.
ولما كانت قيادات الثورات الملونة انتهازية، وفوق ذلك هلامية، فإنها ظواهر تستمد قدرتها التعبوية من وسائل الإعلام ـ الميديا، وبخاصة الميديا المعولمة. وهي معولمة من ناحيتين: معولمة لأن أنماط السلوك السياسي وقيمه تنتقل عن طريق العدوى الاجتماعية، كما ينتقل الوباء. ويكفي لتعبئة الجماهير إرسال رسائل الكترونية أو على المحمول فقط.
وهي معولمة من حيث قدرتها على تنميط السلوك، أي جعله متشابها في بيئات ثقافية واجتماعية مختلفة، يخترق حدود الدول، ويخترق قيم ومعايير الشعوب المختلفة. وهذا ما يجعل من الصعب السيطرة على الميديا أو الحد من قدرتها التعبوية.
هناك كثير من الدراسات تجرى في الوقت الحاضر على كيفية تكون الجماهير باستعمال وسائل الإعلام الحديثة، وربما تجد في «الثورة الخضراء» الإيرانية مادة لطرح فرضيات جديدة، ورفض فرضيات قديمة مثل فرضية أن الجماهير تتكون لأن الأفراد يجدون من السهولة المساهمة في التجمهر بسبب فقدان فردانيتهم، أي أن عقولهم تندمج في عقل الجماعة. وبهده الخصائص المربكة والملتبسة من السهل جدا سرقة هذه الثورات الملونة، أو حرفها عن أهدافها حتى ولو كانت ثورات حقيقية.
كل المطلوب من الدول الغربية أو الغرب عموما هو مجرد التصريح اللفظي بأنهم يؤيدون هذه الثورات أو يساندون قادتها، حتى يعطون الانطباع بأن هذه الثورات ما قامت إلا ضمن خطتهم لنشر الديمقراطية، أو أنها من إنجازات سياساتهم «الحكيمة». ولذلك فإن الوزراء الغربيين ووسائل إعلامهم تقوم بالترويج لهذه الثورات كنوع من التلاعب بالعقول. بل ان بعض قيادات هذه الثورات يطالبون الدول الغربية بالتدخل في بلدانهم.
ولا تتردد الدول الغربية بإقامة المناحات على الديمقراطية في هذه البلدان كما فعلت في التبت ودارفور بينما غفلت عن فلسطين أو غزة أو جنوب لبنان.
هذا النفاق السمج والازدواجية الوقحة في المناحات التي يقيمها الغرب على الديمقراطية في العالم الثالث هو الوسيلة أو إحدى الوسائل التي يسرق فيها الغرب ثورات الشعوب الملونة، أو يخطف ثمارها من أصحابها الحقيقيين.
كل هذا يجري بزخم هائل وقذف متواصل من وسائل الإعلام الغربية المعولمة. وعندما تنهزم شعوب العالم الثالث بثوراتها الملونة تلجأ هذه الشعوب إلى معابد الاستهلاك المتعي، إلى مولات التسوق. وتبحث عن الترفيه في هستيريا الغناء والمسلسلات التلفزيونية. وتحولت برلماناتها إلى مجالس للقبائل والطوائف. آملين في أن يدخلها الغرب في حظيرة الشعوب المتحضرة: حظيرة نعم، أما التحضر فليس حكرا على الغرب. قاتل الله العولمة الرأسمالية.
كاتب كويتي