مع تقديرنا للأطباء النفسيين إلا أنهم أكثر من نتجنب زيارتهم من الأطباء، رغم أن ظروف العصر وضغوطه تحتم على الكثيرين منا القيام ولو بزيارة واحدة في العمر للعيادة النفسية، حتى لو في الخفاء إذا استدعى الأمر.

من الأمراض النفسية الأكثر شيوعا مرض «الفصام» أو «الشيزوفرينيا» الذي يصيب حوالي واحد من كل مئة شخص كما تقول الإحصاءات، وهو مرض لم تعرف حتى الآن أسبابه، ولكن يرجح أن تكون مجموعة من العوامل تختلف من شخص لآخر، وإن كان بعض العلماء لم يستبعد العامل الوراثي من أسباب الإصابة به.

ليست هذه دعوة للاسترخاء على سرير طبيب نفسي والفضفضة كما نشاهد عادة في السينما والتلفزيون، وإنما هي مقدمة لعقد مقارنة بين أعراض «الفصام» التي تظهر على المصابين بهذا المرض ـ كما تحدّث عنها علماء النفس ـ وما نشاهده من أعراض على المواطن العربي، في محاولة للمقاربة بينهما، علنا نخرج بتشخيص لما نعاني منه في عالمنا العربي مما يحاول البعض أن يقنعنا بأنه حالة طبيعية وليس عارضا صحيا يستدعي وضعنا في مصحة نفسية باتساع رقعة وطننا الكبير الممتد من المحيط إلى الخليج كما تعودنا أن نرسمه في دروس الجغرافيا منذ الصغر.

يقول علماء النفس إن من أعراض الفصام (الهلوسة) التي تجعلك تسمع أو تشم أو تشعر أو ترى شيئا لا حقيقة له على أرض الواقع، وهو ما يحدث كثيرا معنا كمواطنين عرب نسمع كلاما كثيرا، ونشم روائح طبخات مختلفة، ونشعر بأشياء تحدث حولنا، ونتخيل أشياء كثيرة، بينما لا يوجد شيء حقيقي على أرض الواقع، وإن وُجد فهو بخلاف ما نسمع أو نشم أو نشعر.

أكثر أنواع الهلوسة شيوعا ـ كما يقول علماء النفس ـ هو (سماع الأصوات) وهذه الأصوات تكون بالنسبة للشخص المصاب ب«الفصام» مثل الحقيقة تماما، وهو يعتقد أنها تأتي من المحيط الخارجي، وقد تخاطبه وتتحدث إليه، وقد تكون حوارا يتحدث عنه أو يكون هو المقصود به، وقد تكون هذه الأصوات مسلية أو مزعجة، وقد يستجيب الشخص المصاب بالفصام» لهذه الأصوات وينفذ ما تطلبه منه رغم إدراكه ما في ذلك من خطأ أو إيذاء لنفسه، ونعتقد أن المواطن العربي يعيش حالة من (الهلوسة الصوتية) قريبة من هذه الحالة إن لم تكن متطابقة معها، وأنه مستهدف من أصوات تأتيه من المحيط الداخلي والخارجي يحسبها حقيقة بينما هي وهم لا وجود له على أرض الواقع، هذه الأصوات تبدو له في الظاهر مسلية تعطيه دفقة من الأمل فينقاد لها وينفذ ما تطلبه منه، لكنها في الحقيقة ضارة تدفعه إلى إيذاء نفسه والإضرار بها.

ومن أنواع الهلوسة التي يتعرض لها مريض «الفصام» نوع يسمى (الهلوسة البصرية) تتمثل أعراضها في رؤية أشياء بالعين دون وجودها، وهذا النوع هو أشد أنواع الهلوسة إيذاء للمواطن العربي لأنها تدفعه إلى الجنون وهو يرى السلطة وأجهزة إعلامها تصر على أن هناك منجزات قد تحققت له، في الوقت الذي لا يرى فيه شيئا على الأرض، ومع ذلك ينقاد لهذه الأوهام ويبني قصورا في عالم الأحلام سرعان ما تتبدد وتتحطم على صخور الواقع المر الذي يعيشه ولا يستطيع الفكاك منه.

من أعراض «الفصام» التي تحدث عنها علماء النفس (الضلالات) وهي أن يعتقد المريض شيئا ويقتنع به اقتناعا تاما، رغم أن هذا الاعتقاد يكون مبنيا على سوء فهم للأمور والأحداث، ورغم أن الآخرين يرون أن هذا الاعتقاد خاطئ وغريب وغير واقعي، لكن مريض «الفصام» لا يستطيع أن يقدم تفسيرا مقنعا أو معقولا أو مقبولا لاعتقاده هذا الذي يتصور أنه الحقيقة التي لا جدال فيها، وبناء عليه أترك لخيالكم المجال لتصور ما شئتم من الاعتقادات الخاطئة والغريبة وغير الواقعية التي تحاول القيادات العربية إقناع المواطن العربي بها، مقدمة له تفسيرات مضللة، في الوقت الذي يبحث هو فيه عن قشة يتمسك بها محاولا أن يقنع نفسه بأنها الحقيقة أو حتى ربعها.

ومن (الضلالات) التي يعاني منها مريض «الفصام» نوع يسمى (ضلالات الاضطهاد) كأن يتخيل أن الجيران يستخدمون مؤثرات أو أجهزة للتسلط أو السيطرة عليه، أو يتوهم أنه مراقب من قبل الجهات الأمنية، وعن هذه الضلالات حدث ولا حرج، وإن كانت في الغالب حقائق أكثر منها ضلالات يعيشها المواطن العربي ويعاني منها بدرجات مختلفة.

ومن أعراض «الفصام» زوال الاهتمام بالحياة، وانعدام العواطف، وصعوبة التحمس لشيء، وفقدان القدرة على التركيز، وعدم الإحساس بالراحة والرغبة في مؤانسة البشر، وفقدان البصيرة، والشعور بأن الجميع على خطأ، وفقد السيطرة على كل شؤون الحياة.

وهي أعراض نتمنى أن لا تظهر على المواطن العربي نتيجة الوضع الذي يعيشه والتشرذم الذي تعاني منه أمته، ومحاولات التفكيك التي تتعرض لها أجزاء كثيرة من وطنه الكبير، باستخدام الطائفية أحيانا للتفريق بين أبناء الدين الواحد أو بين أصحاب الأديان المختلفة داخل الأمة الواحدة، وبدعاوى ومبررات مختلقة أحيانا أخرى، بغية تفتيت الدولة الواحدة وتحويلها إلى كيانات صغيرة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، تتصارع فيما بينها ويمكن السيطرة عليها في أي لحظة.

ثمة عَرَضٌ أخير من أعراض «الفصام» ذكره علماء النفس، وهو أن يتحدث المرء إلى نفسه منفردا وكأنه يتحدث إلى أشخاص آخرين، وهذا ما لا نتمنى أن نكون نفعله الآن، عافانا الله وإياكم من كل الأمراض والأسقام، وإلا أصبحنا جميعا نعيش (موسم الهجرة إلى الفصام) مع الاعتذار لأديبنا الراحل الكبير «الطيب صالح» رحمه الله.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com