بالرغم من أن قيادة هيئة الأركان الروسية قد اتخذت قراراً بتقليص قواتها المتواجدة في قواعدها بجمهوريتى أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، بحيث لا يزيد تعداد القوات الروسية على سبعة آلاف جندي. إلا أن الجانب الجورجي مازال يدق طبول الحرب زاعماً أن روسيا تنوي تفجير حرب جديدة لاحتلال جورجيا، وإسقاط نظام ميخائيل ساكاشفيلى، وذلك مع اقتراب مناورات (القوقاز ـ 2009) التي ستنفذها القوات الروسية المرابطة في جنوب البلاد في أواخر الشهر الجاري.
ويتجاهل حاكم جورجيا ميخائيل ساكاشفيلى تقارير اللجنة الأوروبية وشهادات السفير الألماني في جورجيا، التي أكدت أن المذنب في إشعال فتيل هذه الحرب هو الجانب الجورجي، حيث قام بحشد أكثر من 12 ألف جندي، و75 دبابة صباح السابع من أغسطس عام 2008، ليبدأ في محاولة فرض سيادة حكومة تبليسي على إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بقوة السلاح. وقد أسفر نفي التقارير الأوروبية لمزاعم جورجيا بأنها ضحية لعدوان روسي، إن حكومة تبليسى قد دمرت حلمها بالانضمام إلى الناتو، لأن هذه التقارير وجدت في سياسات جورجيا الكثير من النواقص التي تجعل حصولها على عضوية حلف شمال الأطلسي أمر مستبعد.
وبات واضحاً أن الغرب لا يأخذ اتهامات جورجيا الموجهة ضد روسيا بالعدوان على محمل الجد، لذا يبدو واضحاً أن المزاعم الجورجية بأن موسكو تعد قواتها لاجتياح الأراضي الجورجية لا يستهدف منه تعبئة الرأي العام العالمي ضد روسيا، بقدر ما يأتي في سياق محاولات نظام ساكاشفيلى لإنقاذ نفسه من اتساع جبهة المعارضة ضده، والتي تطالب بإقالته بسبب رعونة قراراته وتصرفاته وسياساته التي أسفرت عن انهيار اقتصاد البلاد، وتوريط جورجيا في حروب تهدد بتدمير البنية التحتية لجورجيا، وتفسد علاقاتها مع جيران لها مصالح كبيرة معهم.
من المعروف أن أكثر من مليون جورجي يعيشون ويعملون في روسيا، وتبلغ تحويلاتهم إلى بلادهم أكثر من ملياري دولار، بالإضافة إلى أن جورجيا تحصل على الغاز الروسي بأسعار مخفضة.
ويحلو للبعض القول ان استخدام روسيا لحق النقض ضد مشروع القرار الذي تقدمت به النمسا وكرواتيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وتركيا والولايات المتحدة، والذي يدعو إلى التمديد لتواجد بعثة الأمم المتحدة في جنوب القوقاز، استناداً إلى القرار 1808 الصادر في أبريل 2008 الذي أشار إلى وحدة الأراضي الجورجية، ما هو إلا محاولة من موسكو لفرض هيمنتها على إقليم القوقاز.
إلا أن حقيقة الأمر تكشف عن واقع مخالف لهذه التحليلات، لأن وجود دولتين مستقلتين وذاتا سيادة وفقاً لرؤية موسكو، وهما أوسيتيا الجنوبية وابخازيا، يلغي الأساس الذي بنى عليه مشروع القرار الجديد. لذا كان من البديهي أن ترفض روسيا هذا المشروع، بل ومن المنطقي أن يصدر بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة أوامره بوقف عمل بعثة المنظمة الدولية في منطقة من جنوب القوقاز تقع فيها جورجيا وأبخازيا، وسيتوجب على البعثة مغادرة هذه المنطقة خلال فترة لن تقل عن 3 شهور، ولا تزيد على 6 شهور.
أما الحديث الدائر حول مخاطر قيام القوات الروسية بتدريبات قتالية ـ استراتيجية في إطار «مناورات القوقاز 2009»، والتي ستشارك فيها كل الوحدات المرابطة في شمال القوقاز وفي جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، فهو مبالغ فيه، لأن هدف هذه المناورات هو التدريب على مواجهة وضع متأزم يتطور إلى صراع مسلح، ولتقييم الجاهزية القتالية للقوات، من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على أمن روسيا في جنوب غربها.
خاصة أن أوكرانيا مازالت تجهز القوات الجورجية بالسلاح والعتاد العسكري، وفق تحقيقات اللجنة البرلمانية الأوكرانية، والتي كشفت عن أن جورجيا تحصل على ما هو موجود في أحد مستودعات الجيش الأوكراني في منطقة خاركوف، إضافة لتكثيف الحشود العسكرية الجورجية على حدود أوسيتيا الجنوبية.
لذا تكشف القراءة الصحيحة للواقع في القوقاز عن أن جورجيا هي التي تستعد لتفجير حرب جديدة لإنقاذ نظام ساكاشفيلى من أزماته الداخلية، بينما تحاول روسيا تجنب هذه الحرب.
كاتب أوكراني