في الوقت الذي لا تزال فيه تداعيات أزمة المال العالمية تتوالى فصولاً على أكثر من صعيد، وفي حين ترزح فيه كُبرى الاقتصادات العالمية تحت كابوس الانكماش الاقتصادي، حيث يُتوقع أن تُسّجل بعضها نموًا سلبيًا (أقل من -1%)، لفت مؤخرًا صدور تقرير عن صندوق النقد الدُولي حول دولة الإمارات العربية المتحدة الذي حمل توقعات نستطيع وصفها بأنها «عكس التيّار».

وتكمن أهمية هذا التقرير ليس في تشخيصه الدقيق للاقتصاد الإماراتي، وهو ما سنأتي على ذكره لاحقًا، بل في الثقة التي يبديها تجاه قدرة هذا الاقتصاد على تجاوز الأزمة المذكورة انطلاقًا من مؤشرات النمو العالية التي حققها خلال السنوات القليلة الماضية، والتي حافظ عليها في عز الأزمة الراهنة. وفي ذلك أكثر من دلالة على تطور المكانة الاقتصادية للدولة الإماراتية ليس على المستوى العربي وحسب بل وعلى المُستويين الإقليمي والعالمي.

وهذا ما يُؤكد على أنّ تحليلات البعض حول تأثر الامارات بالأزمة الاقتصادية العالمية بلغت حدًا من المبالغة الذي يدفع بنا إلى التساؤُل عن مغزى مثل هذه التحليلات ونية أصحابها. ولعل إمارة دُبي شكّلت بالنسبة لهم الهدف الأسهل كونها «مملكة العقار العربي» كما صُنّفت خلال السنوات الأخيرة، وبما أنّ الأزمة المذكورة استهدفت القطاع العقاري بالدرجة الأولى فكان من الطبيعي أن تتأثر دُبي بها.

ولكن، بعدما تبين صمود الإمارة بوجه العاصفة المالية، وتسجيلها نتائج غير مُتوقعة، ذهب هذا البعض إلى حد التمييز بينها وبين قريناتها من الإمارات الأخرى من حيث مُستوى الملاءة المالية، مُتناسيين أنّ الإمارات هي جسد واحد لا يعمل إلاّ عندما تكون جميع أعضائه مُتعافية ومتعاونة. وهنا نسأل هؤلاء، هل انّ الولايات المُتحدة الأميركية المسؤولة عن الأزمة المذكورة، حصرت المسؤولية بإحدى ولاياتها دون الأخرى، وهل أنّها ألقت تبعات هذه الأزمة على ولاية وأعفت الباقي؟

بالتأكيد لسنا ممن يدّعون عدم تأثرنا بالأزمة، وكذلك لا ندعو إلى اجتزاء تداعياتها فنأخذ الأقل تأثيرًا. بل لتُسمّى الأمور بأسمائها، ولكن ليس بالمُغالاة أو ببناء فرضيات غير موجودة إلاّ في عالم الإشاعات تُعطى التحليلات. والحقيقة أننا كُنّا نتمنّى لو أن الأقلام التي انبرت إلى تصوير الإمارات وكأنها شُلّت أو باتت عاجزة عن متابعة نهضتها الرائدة، وبخاصة عبر التصويب على إمارة دُبي تحديدًا، لو أنها وضعت تصورًا لكيفية اتخاذ دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا لإتحادٍ عربيٍ شامل، سيّما وأنها لعبت هذا الدور بجدارة إبّان ولادة مجلس دول التعاون الخليجي، وذلك بدلاً من ذر الشائعات بهدف تحجيم هذا النموذج الذي ثبّت قواعده بسرعةٍ قياسية على مساحة العالم. وما يجعلنا واثقين من استمرارية هذا النموذج واستعادة أدائه زخمه المعهود، إنما هو مضمون تقرير صندوق النقد السابق ذكره الصادر في نيسان الفائت.

حيث توقع أن يسجل اقتصاد الإمارات مستويات أداء قوية هذا العام على الرغم من تأثيرات الأزمة المالية العالمية. ورجّح أن ينمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي للإمارات بحوالي 3, 3% في العام الجاري مقارنة بحوالي 4, 7% في 2008، ويتوقع الصندوق أن يصل النمو إلى 2, 4% في العام المقبل، وأن يصل إلى 4, 5% بحلول عام 2012 و 2013.

وعلى الرغم من توقع الصندوق تراجع نمو اجمالي الناتج المحلي النفطي الحقيقي هذا العام بحوالي 2, 0%، نتيجة التراجع الحاد في أسعار النفط عن المستويات العالية التي وصلت لها في العام الماضي، إلاّ أنّ ما يدعو للتفاؤل هو ترجيح نمو اجمالي الناتج المحلي غير النفطي الحقيقي للدولة بحوالي 4, 4%، الأمر الذي يُبشر بأن بذور التنمية والإنتاج غير النفطي التي زرعتها الإمارات في بدايات إطلاقها لنهضتها الاقتصادية بدأت تُعطي نتائجها اليوم، وهي ستُشكل جزءاً يوازي إن لم نقل سيتخطى المدخول النفطي لها.

وهناك عاملٌ حيوي يُمكن إضافته إلى هذه المُعطيات، ويتمثل بإقرار الإمارات هذا العام لأكبر موازنة لها في تاريخها. وقد أشار التقرير السابق ذكره إلى ذلك بطريقة غير مُباشرة، وذلك من خلال إشارته إلى مقدار الفائض الذي ستُسجله الإمارات لهذا العام والبالغ 1, 12% من اجمالي الناتج المحلي.

هذه الحقائق لا شك في أنّها تُطمئن مجتمع الأعمال العربي والدُولي على حدٍ سواء، كونها تُفيد بما لا يقبل الشك بأن الإمارات ستكون أوّل الدُول المُنتعشة حول العالم، ليس فقط على اعتبار أن لديها سيولة تكفي لحماية اقتصادها والوفاء بالتزاماتها، بل لتوفر مُقوّمات استثمارية حقيقية لديها أثبتت نفسها بصمودها بوجه الأزمة الاقتصادية؛ وهذا ما أكدته مؤخرًا الدراسة التي أعدّتها وحدة «إف.دي.اي إنتيليجنس» FDI التابعة لمجموعة «الفاينانشيال تايمز» البريطاني.

وقد جاء فيها مواصلة الإمارات احتلال مركز الصدارة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا على الصعيد الاستثماري، حيث استأثرت بنحو 50% من إجمالي المشروعات في المنطقة. أمّا الحدث النوعي الذي أوردته هو اختيارها إمارة دبي كأفضل وجهة استثمارية في العالم، متفوقةً بذلك للمرة الأولى على مدن مثل لندن وشنغهاي. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ عدد من المسؤولين الإماراتيين، والمعنيين بالشأن الاستثماري منهم على وجه الخصوص، أكّدوا نيّتهم بتركّيز الجهود والأنشطة الاستثمارية خلال المرحلة المقبلة في الداخل بغية إضفاء مزيد من الحيوية على هذا القطاع، وتاليًا تسريع حركة العجلة الاقتصادية في البلاد التي أبطأها «مدّ» الأزمة الاقتصادية العالمية.

لقد بات جليًا أن رهان دولة الإمارات لا ينحصر في تقليص تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة وإنما في سرعة الخروج منها، ولا ريب في أنّها ستكون أوّل من يظفر بذلك.

خبير اقتصادي

raafatabuzaki@hotmail.com