من يعول على أن الأحداث الجارية في إيران ستقوض قوة النظام السياسي وستشعل ناراً في صالح تغير النظام يتخيل وضعاً مثالياً بعيداً عن الواقع. الأحداث الجارية في إيران لن تهدد النظام السياسي ولن تنهي سيطرة المرشد الأعلى على السلطة وذلك لعدة اعتبارات.

أول هذه الاعتبارات هو أنه لا يوجد في إيران تيار سياسي قوي قادر على الوقوف في وجه النظام القائم. إيران بها تيار واحد مسيطر وهو تيار الثورة الإيرانية التي وضع مبادئها الإمام الخميني، وكل التيارات الموجودة إنما تعمل في إطار المبادئ الخمينية التي تنطلق من ضرورة حماية النظام السياسي.

لذلك فإن بروز رموز قيادية مثل مير موسوي وهاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ومهدي كروبي إنما هي رموز سلطة تمثل النظام السياسي القائم وتدافع عن ضرورة البقاء عليه؛ فليس من هؤلاء من يمكن أن يوصف بأنه يلتسين جديد الذي كان يدعو ويعمل لإنهاء النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والتوجه إلى النظام السياسي الليبرالي. إيران دولة يسيطر عليها الإسلاميون ولا يوجد أي تيار ليبرالي يمكن أن يكون قادراً على مواجهة النظام السياسي وتغيره.

ثاني هذه الاعتبارات هو أن القيادة العليا في إيران متفهمة لخطورة الوضع ومدركة أن ما يدور في إيران يجب أن يبقى في إطار احترام النظام السياسي ولا يمكن لأحد أن يتعداه باعتباره خطاً أحمر لا يمكن للقيادة العليا أن تسمح بتجاوزه.

القيادة الإيرانية تتفهم جيداً وتدرك كل الأحداث التي جرت في العالم سواء في زمن الاتحاد السوفييتي في عهد ميخائيل غورباتشوف أو في الصين في نهاية الثمانينات أو حتى الأحداث الأخرى التي حدثت في دول أوروبا الشرقية السابقة والثورات التي أخذت تتشكل بشكل الألوان البراقة. فالقيادة السياسية العليا في إيران تتفهم أن أمامها خياران لا ثالث لهما إما أن تكون بسهولة غورباتشوف وبالتالي تقدم تنازلات تؤدي إلى انهيار البلد وتغير نظامه السياسي كما حدث للاتحاد السوفييتي أو أن تكون بقوة دينغ تشاو بينغ وتنهي كل ما يمكن أن يعكر صفو استقرار النظام باستخدام القوة العسكرية، كما حصل مع الصين في تعاملها مع متظاهرين ميدان تيانمن.

المرشد الأعلى مدرك لهذا الأمر ولعله أقرب إلى أن يحتذي بالنموذج الصيني عن النموذج السوفييتي وبالتالي يحافظ على أمن واستقرار النظام السياسي الإيراني من خلال استخدام القوة العسكرية لإنهاء أي تمرد شعبي. ولعلنا نتذكر أحداث عام 1999 عندما ثار الطلبة احتجاجاً على إغلاق صحف مؤيدة للإصلاح والتي تمت مجابهتها وإخمادها بالقوة العسكرية.

ثالث الاعتبارات هو غياب الدعم الخارجي القوي للتيارات المناوئة للنظام السياسي أو حتى للتيارات الإصلاحية. لقد ذكرنا بأنه لا يوجد تيار قوي وفاعل مناوئ للنظام السياسي الحاكم في إيران وبالتالي لا يوجد خوف حقيقي من حدوث مثل هذا الأمر، ولكن حتى الإصلاحيين في النظام السياسي القائم لا يلقون دعماً قوياً من الخارج باعتبار أنهم جزء من النظام ولا يريدون أن يظهروا للقيادة وللشعب الإيراني أنهم يستنجدوا بالخارج ضد الداخل.

صحيح أن هناك بعض الدعم الخارجي للإصلاحيين لكن هذا الدعم يأخذ منحى الدعم الأخلاقي أكثر من غيره، وإن وجد دعم من نوع آخر فإن القيادات الإصلاحية الإيرانية في الغالب لا تعلم به. وردود الفعل الدولية لنتائج الانتخابات الإيرانية لم تكن منددة بها على الإطلاق وإنما أعلنت دعواتها للقيادة الإيرانية بأن تسمع لصوت الشارع الإيراني.

وهذا ما حدث بالفعل حيث ان المرشحين المنافسين للرئيس المنتخب لولاية ثانية محمود أحمدي نجاد قد قدموا طعنهم في نتيجة الانتخابات والعملية تأخذ نهجها الإجرائي. وفي النهاية فإن القيادة السياسية ستتوصل إلى صيغة تسوية ستطلب من خلالها القيادات المعترضة القبول بها.

وآخر الاعتبارات هي أن تيار الإصلاح الذي استمر في الاعتراض على نتيجة الانتخابات إنما سعي إلى التصعيد ليس رغبة في إعادة الانتخابات ولا في إعادة فرز الأصوات لأنه يعلم أن ذلك لن يحقق له شيئاً حيث ان القيادة السياسية العليا لن ترضى بأن تعلن للعالم أن هناك تزويراً أو تلاعباً قد تم في الانتخابات التي تفتخر بها إيران منذ زمن؛ كما أن تيار الإصلاح لم يسع إلى التصعيد رغبة في تغير النظام السياسي وإنما من أجل رفع أرصدته لدى الشارع الإيراني وتهيئة نفسه لدخول الانتخابات الرئاسية القادمة بشكل أقوى بعد أربع سنوات عندما تنتهي فترة ولاية أحمدي نجاد.

فكل ما حدث ويحدث من تطورات احتجاجية ستكون عاملاً للتأثير على المرشد الأعلى ليتخذ إجراءات أكثر صرامة من شأنها أن تقلل من فرص التلاعب والتدخلات المسيسة في العملية الانتخابية المقبلة حتى لا تتكرر الأحداث من جديد.

ستظل ذاكرة الإصلاحيين ومن يدعمهم مشحونة بفكرة أن انتخابات عام 2009 قد سُرقت منهم الأمر الذي سيدفعهم إلى أن يُقبلوا بقوة على التصويت لتحقيق الفوز في انتخابات عام 2013.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com