لا يختلف اثنان أن الاقتصاد يمثل الرئة التي يتنفس بها المجتمع ومن ثم فإن أي إصابات تلحق بالشعب الاقتصادية تجعل المجتمع يتنفس بصعوبة قد يضطر معها إلى استعمال (بخاخ) لتسهيل مرور الدواء إلى داخل شرايين الجسم.

يرى علماء الاجتماع أن الأزمات الاقتصادية تترك أثارها على المجتمع أي مجتمع. ولكن بدرجات تتفاوت بتباين الظروف الموضوعية لكل مجتمع وهناك إجماع على أن التغيرات الاقتصادية تؤدي حتماً إلى تغيرات اجتماعية، وقد تؤثر سلباً أو إيجاباً على حالة الاستقرار الاجتماعي والذي يمثل حالة الثبات التي تسود المجتمع بكل شرائحه، فئاته وتقسيماته، والثبات هنا يعني الاستقرار المجتمعي وهى الحالة التي تتوفر فيها الظروف التي تمكن كل فرد من أفراد المجتمع من إشباع حاجاته الضرورية ثم الكمالية لضمان مستوى معيشي مناسب تتاح فيه فرص الحصول الميسر على الطعام والمسكن والملبس، والرعاية الطبية وخدمات التعليم والصحة والترويح في إطار بيئة معافاة تنعم بالاستقرار الاجتماعي.

في الوقت الذي تنعكس فيه الآثار الاقتصادية للأزمات المالية على نحو متسارع. نجد أن الآثار الاجتماعية لهذه الأزمات يتلقاها المجتمع ولكن ببطء شديد، ذلك لأنها تمر بمراحل لعل من أهمها: أولاً تأثير الأزمة الاقتصادية على البناء الاجتماعي، والذي يضم كل مكونات النسيج الاجتماعي، فضلاً عن مجموعة القيم الاجتماعية، والدعامات ونعنى بها مجموعة القيم والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع.

ثانياً: إحداث تغييرات اجتماعية، والتغير الاجتماعي كما يراه (اوجيت كونت) يمس حركة وديناميكية المجتمع مما يؤثر سلباً أو إيجاباً على النظم الاجتماعية، كالنظام الاقتصادي، الأسرى والسياسي، والثقافي.

والتغير كما هو معلوم يساعد على انتقال المجتمع من مرحلة إلى مرحلة أخرى كما يرى (ماكس فيبر) عالم الاجتماع الألمانى، ويعتبر (وليم اوجبرن) أول من عالج قضايا التغير الاجتماعي ثم جاء (الفن توفلر) مؤلف كتاب (صدمة المستقبل) على غير (فوكوياما) العالم الياباني الأصل الأميركي الجنسية، يرى (توفلر) أن المجتمع الإنساني يعيش في عصر نهاية الثبات والانفصال عن الماضي.

وإن من المهم أن نعرف ما هي الآثار التي تترتب على التغير، وليس مهماً معرفة سرعته أو اتجاهاته وهو يخالف فوكوياما الذي أوقف عجلة التغير لأن التاريخ انتهى. وصدمة المستقبل كما يراها (توفلر) هي حالة استثنائية وظاهرة يتسبب فيها المعدل المتسارع في حركة التغير الاجتماعي والاقتصادي لدرجة يعجز معها أفراد المجتمع عن التكيف مع المستجدات التي تصيب ظروف العمل، ونسيج العلاقات الاجتماعية والترابط الأسري وتهز أركان المجتمع فمثلاً، ان الأزمة الاقتصادية الراهنة ولاعتبارات عديدة ارتبطت بعصر العولمة والفضاء المفتوح ـ لكنها تخطت حاجز الزمان والمكان بل راحت لتحاصر مجتمعات بعيدة لم يكن لها دخل فيها لا من بعيد أو قريب.

وتجمع الآراء أن الأزمة المالية سيكون لها أبعاد تراكمية وستحدث تبدلات في مجتمعات عديدة، وستؤثر قطعاً على علاقات الناس ونظم حياتهم وأفكارهم، بل وقناعاتهم وسلوكياتهم، وبسبب ترددات هذه الهزة سيدخل آلاف الناس المستشفيات بحثاً عن العلاج من حالات الإعياء والاكتئاب.

إن كل الشواهد تدل على أن معظم المجتمعات الإنسانية لا محالة ستجد نفسها أمام تحديات غير مسبوقة على الإطلاق. فمثلاً نجد أعداداً كبيرة من الناس ستحاول الفرار من تبعات الهزة عبر تجاهلهم لوجودها، إلا أن الفرار من جحيم الأزمة سيعيدهم قصراً للاكتواء بنيرانها. ويجمع علماء الاجتماع وعلماء علم النفس الاجتماعي أن تسارع معدلات التغير في القرن الحادي والعشرين تحدث بمعدلات متتابعة لدرجة يصبح من الصعب رصد التغيرات الاجتماعية بدقة وذلك لأن المستقبل أخذ يغزو الحاضر ويدق أبوابه بعنف وبالطبع. لا سبيل إلى قياس معدل التغير إلا عبر الزمن.

إذن ماذا بعد التداعيات الاجتماعية للهزة الاقتصادية (الإعصار المالي)

لم يتفق لا علماء الاقتصاد أو الاجتماع أن العالم تعرض لأزمة مالية أدت إلى حدوث أزمة اقتصادية أو أن الأزمة تسببت في صدمة أو هزة اجتماعية سواء كانت أزمة أو صدمة أو هزة اقتصادية، مع أن كل الدلائل تؤكد أن الأزمات الاقتصادية يكون لها مردود اجتماعي.

علماً ان الآثار الاجتماعية يصعب إدراكها أو ملاحظة ومتابعة نكساتها على الفرد أو الجماعة أو المجتمع إلا بعد مرور وقت ليس بالقصير ويمكن تلخيص الآثار الاجتماعية في الآتي:

أولاً: تراجع دور دولة الخدمات (دولة الرعاية)، ستدفع الأزمة الاقتصادية الدول للمضي قدماً في رفع يدها عن تقديم الخدمات الاجتماعية بسبب ضغوط الأزمة وتنفيذ برامج إعادة الهيكلة وستمضي الدول بلا استثناء في خفض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية في مجالات (الصحة، التعليم، البيئة، والإسكان) وسيلقى أي إجراء من هذا النوع ضغطاً على الأسرة والمجتمع.

ثانياً: احتمال ارتفاع معدلات البطالة وأزمة الإسكان بسبب ارتفاع الأسعار وندرة السيولة النقدية وسيصاحب ذلك ارتفاع في مستوى المعيشة وتراجع إشباع الحاجات الضرورية والكماليات وسيترافق مع ذلك ميلاً للادخار والاحتياط للطوارئ. كما تؤدي المشكلة الاقتصادية إلى عدم قدرة الأسرة في ضبط سلوكيات الأبناء وبالطبع هذا بدوره يؤدي إلى تميع القيم وعدم الالتزام بالأعراف والتقاليد والخروج عن الضوابط الاجتماعية مما يفتح الباب أمام شتى أنواع الانحرافات السلوكية.

ثالثاً: ومما لاشك فيه وبالضرورة أن الأزمات الاقتصادية تؤدي إلى تفاقم حالات فقدان التوازن الانفعال السلوكي بسبب تزايد الضغط على الجهاز العصبي، فتحدث انهيارات عصبية بسبب ذلك وقد سجلت مضابط المستشفيات حالات عديدة في بعض الدول عند انهيار سوق الأوراق المالية وفي بعض البلدان سجلت حالات الانتحار بسبب الأزمة الاقتصادية مع تزايد حالات الإحباط. ونحمد الله سبحانه وتعالى أن دولة الإمارات على غير الدول الأخرى لم تتأثر بتداعيات الأزمة المالية ولا الأزمة الاقتصادية إلا بقدر محدود جداً ويعزى ذلك السياسة الرشيدة لحكومة دولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لأن هناك جهوداً كبيرة بذلت لاحتواء مضاعفات الأزمة الاقتصادية لتفادي أضرارها على الشركات والمؤسسات البنكية، وذلك عن طريق ضخ أموال كبيرة لتلافي انهيارها حفاظاً على استقرار المجتمع.

وفي رأيي لابد أن تتضافر كل الجهود من قبل المؤسسات والأفراد ذات العلاقة في الدولة كالجامعات، مراكز البحوث والخبراء المختصين لدراسة الآثار الاجتماعية إذ وجدت أزمة اقتصادية حتى يمكننا الرد على الافتراءات التي أثيرت حول المشكلات التي أفرزتها الأزمة المالية على بلادنا وذلك في محاولة للتشكيك على قدرتنا على تجاوز هذه الأزمة التي أصابت العالم بأسره.

خبير فني ـ وزارة الشؤون الاجتماعية

moza@bmig.ae