من آخر ضروب الوقاحة أن تفتعل إسرائيل إعطاء الدروس؛ في موضوع السلاح النووي. إبداء حرصها المزعوم على وجوب التزام الشفافية، في هذا الملف الخطير؛ مكر خبيث. يجوز لأي دولة أن تتحدّث، حتى ولو للاستهلاك، عن مثل هذا الحرص. إسرائيل لا يحق لها ذلك. أولاً، لأنها تملك هذا السلاح ولا تعترف بذلك؛ مع رفض التوقيع على معاهدة الحدّ من نشر النووي. ثانياً، لأنها تنطلق في زعمها هذا من موقف الإصرار على استمرار احتكارها هذا السلاح لوحدها؛ في المنطقة.
السفير الإسرائيلي لدى وكالة الطاقة الدولية، هاجم مديرها، الدكتور محمد البرادعي؛ بتهمة «الانحياز» لسوريا؛ خلال مناقشة الملف السوري أمام حكام الوكالة، يوم الخميس الماضي. المدير، نصحه بالتوقف عن «إلقاء العظات» على الوكالة.
كل ما فعله كان أنه كرّر أسفه لأن إسرائيل شنّت ضربتها في منطقة دير الزور؛ من دون إبلاغ الوكالة الدولية مسبقاً بما تملكه من معلومات. وأشار، في الاجتماع، بإصبع الملامة إلى إسرائيل؛ لضآلة تعاونها، بخصوص المفاعل السوري المزعوم.
والمعروف أن سوريا، في ردها على عثور مفتشي الوكالة على جزئيات يورانيوم في موقع دير الزور؛ كانت قد أفادت أن تلك الجزئيات مصدرها الضربة الإسرائيلية. لكن تل أبيب لم تتعاون في هذا الصدد. بضربها، ما قالت إنه منشأة نووية «لم تعرقل عملنا فحسب، بل أيضاً انتهكت القانون الدولي بشكل فاضح»، كما قال.
كلام رأت فيه إسرائيل «مهاجمة علنية عليها». فتحت عليه نيران هجومها من كل صوب. سفيرها لدى الأمم المتحدة، استحضر ما عنده من عبارات مسيئة ولاذعة، ليصبّها على مدير الوكالة. أخفّها أنه «شخص غير مسؤول»؛ وأن رحيله القريب من منصبه، هو «خلاص جيد منه». اتهمه «بعدم النزاهة»، كما بوقوفه «وراء تأجيل اتخاذ قرارات جادة وفرض عقوبات على إيران».
حمم من القنابل الهجومية، التي دأبت إسرائيل على استخدامها؛ ضدّ كل من يلامس أعصابها الحساسة، ويكشف أو يسلّط الأضواء على انتهاكاتها وخروجها على القوانين والمواثيق الدولية. لا يجوز، في قاموسها، لأحد أن يقترب من احتكارها للنووي في المنطقة؛ وما يتصل به.
وكأن وكالة الطاقة ينبغي أن تكون مسخّرة لخدمة هذا الاحتكار. وكان من الملفت، ولو أنه لم يكن من المستغرب؛ أن يتناغم خطاب السفير الأميركي في الوكالة مع هجومية الخطاب الإسرائيلي. على كل حال، الاستئساد النووي الإسرائيلي ما كان ليحصل لولا الغطاء الأميركي الدائم. واشنطن دأبت على التصدّي لأي مطالبة تدعو إسرائيل لتصبح عضواً في نظام التحقق من المنشآت النووية. وهذه واحدة من نتائج هذه الحماية.
