لست من متابعي الشأن الإيراني ل«أفتي» فيه، بيد أن أحداث الانتخابات الإيرانية التي جرت يوم الجمعة قبل الفائت قد فرضت نفسها على الكل.

فتلك الحشود من الشباب المتحمس وحضور الشابات اللافت، وبالذات الطالبات الجامعيات، وشعارات التغيير التي رفعت، والمنافسة الحادة التي استعرت بين أنصار المرشحين الأربعة وتحديداً بين نجاد وموسوي والمناظرات التلفزيونية وغيرها من النشاطات الانتخابية التي تشبه ما يجري في أي بلد أوروبي، كل ذلك لم يترك لنا المجال إلا بمتابعة ما يجري على المشهد الإيراني.

ومما جذب الاهتمام أيضاً هو الأحداث التي أعقبت إعلان فوز أحمدي نجاد، لدورة رئاسية ثانية قيل ان المشاركة فيها كانت قياسية تجاوزت الـ 85 في المئة.

ثم ما تبع ذلك من احتجاج منافسه الإصلاحي على تلك النتيجة وطعنه فيها واتهامه بحدوث حالات تزوير كبيرة ومطالبته للمرشد الأعلى علي خامنئي بإعادة فرز الأصوات أو إعادة إجرائها مرة أخرى. ولم يسدل الستار على ذلك، بل كانت للجماهير الإيرانية الإصلاحية وتحديداً الشبابية وما زالت كلمتها التي أرادت إبلاغها للقيادة بنزولها إلى الشوارع تعبيراً عن سخطها ومطالبتها بإصلاح ما أفسدته بعض الأيدي لإرادة الأمة.

ثم تفاعل الخارج الإيراني مع داخله، إذ يتواجد الملايين من الإيرانيين في دول أوروبا كألمانيا وبريطانيا وفرنسا فضلاً عن الولايات المتحدة، تفاعل هؤلاء مع ما كان يجري في بلدهم، فكانت لهم وقفات قوية أسمعوا أصواتهم الاحتجاجية لكل العالم.

والحق، تواصل الداخل والخارج قد سهلته التقنيات الحديثة كالمواقع الإلكترونية في الإنترنت والهواتف النقالة، التي حملت إلى العالم الخارجي صور الحشود الضخمة والمواجهات الدموية في بعض الأحيان بين قوات الأمن الإيرانية والمتظاهرين، بعد أن فرضت السلطات حظراً على وكالات الأنباء والفضائيات لعدم نقل مثل تلك المشاهد.

وأنا لست من القائلين ان منصب رئيس الجمهورية في النظام الإيراني ليس منصباً مركزياً، فالقائلون بذلك يستندون على أن «الحل والعقد» هو بيد مرشد الجمهورية علي خامنئي، الذي يعتبر حارساً لمبادئ ثورة الخميني ومنظماً للحياة فيها.

ثم بيد مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو هيئة من كبار العلماء يختارهم المرشد، ويشرفون على أعمال الرئيس وعلى التشريعات التي يصدرها مجلس الشورى الإيراني! فلو لم يكن منصب رئيس الجمهورية مهماً بل ومركزياً في نظام الجمهورية الإسلامية المتبع في إيران لما كان التنافس على أشده عليه.

وهو تنافس خرج هذه المرة عن المألوف ليكيل كل طرف للطرف الآخر التهم، حتى وصل الأمر بأحمدي نجاد باتهام خصومه بأن ماكينة الإعلام الغربية التي تسيطر عليها الصهيونية قد «فبركت» ضده تلك الاتهامات التي كالها خصومه ضده!

والحق ان النظام الإيراني لا يمكن أن يعتبر ديمقراطياً بالمعنى المتعارف عليه للديمقراطية، فيه تداول حقيقي للسلطة وحرية التعبير والمشاركة للجميع، إذ هو نظام لديمقراطية الحزب الواحد ـ أو التوجه الواحد ـ إن جاز التعبير، تنتفي فيه حقوق المواطنين الآخرين الذين لا يشاطرون النظام توجهاته.

بل إن المرشحين يمرون بعملية «فلترة» بحيث لا يسمح بالترشح إلا لمن تنطبق عليه مواصفات معينة ويستبعد الآخرون!، وهو لا يشترط أيضاً في مرشح الرئاسة أن يكون إسلامي التوجه، بل يشترط أيضاً أن يكون مذهبه الديني هو مذهب الدولة الرسمي.

وبالتالي، يحرم القانون المواطنين الآخرين من أتباع الأقليات الإسلامية الأخرى من خوض غمار الانتخابات الرئاسية!

غير أن اقتصار التنافس على من تنطبق عليهم مواصفات الجمهورية الإسلامية لا يمنع البتة من طرح جميع القضايا ـ تقريباً ـ التي تطرح عادة في أي انتخابات تجري هنا وهناك، اللهم إلا أن يكتسي الخطاب بلون إسلامي أو يتدثر بعباءة دينية!

وتلك القضايا التي طرحت هي من قبيل العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة النفطية والحريات المدنية ونطاقها وإيجاد فرص عمل للشباب والعلاقات الخارجية وغيرها.

بل وفي بعض الأحيان قد يخرج عن نطاق تلك العباءة ليدخل تحت العباءة القومية الإيرانية، كما جرى ذلك في مناظرة كروبي ونجاد، التي نقلت إلى الملأ عبر الفضائيات، حينما أنكر كروبي (وهو رجل دين معمم) على نجاد حضوره مؤتمر القمة الخليجي واسم العربي قد اقترن بالخليج!.

ويلاحظ المرء في هذه الانتخابات وتلك التي جرت قبل عقد من الزمان وحملت الإصلاحي خاتمي أن الشباب الإيراني يلعب دوراً مهماً فيها، ولا عجب من ذلك، فإن الشباب هم الذين يعانون من وطأة الأزمة الاقتصادية، حيث تنتشر البطالة في صفوفهم، والتي يقدرها المراقبون بعشرة في المئة من قوة العمل، وهم أيضاً الفئة الواعية التي تتواصل مع العالم الخارجي وما يدور به عبر الفضائيات والإنترنت، ناهيك أن ثمة حركة ثقافية قوية في إيران أبرز معالمها سيل هائل من ترجمات للكتب والأدبيات الأجنبية.

وخلاصة القول ان ثمة باباً للتعبير عن إرادة الأمة الإيرانية موجود في النظام القائم ـ مهما كان هذا الباب ضيقاً ـ وهذا الباب سيتسع بلا شك مع مرور الأيام.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com