نجح الرئيس الأميركي باراك أوباما في ضمان تمويل إضافي للحرب في العراق وأفغانستان بإقرار الكونغرس مشروع ميزانية إضافية للعام 2009، بقيمة 106 مليارات. ولاشك أن هناك شكوكاً كثيرة تحيط باستراتيجية أوباما الجديدة وخفايا الضخ المالي الجديد للحروب في وقت تستعد أميركا لسحب قواتها المقاتلة من العراق نهاية الشهر الجاري.

لا تقل الخسائر المادية خطورة في حسابات الكلفة إن لم تكن أكثر أهمية، وخصوصا في حالة الولايات المتحدة الأميركية وطبيعة تمويل الحروب فيها، فبعد أن كانت كلفة الحرب شهريا 4 .4 مليارات دولار سنة 2003، ارتفعت عام 2009 لتصل هذه الكلفة إلى 9 مليارات دولار شهريا، فيما تعيش الولايات المتحدة أزمة مالية خانقة، تستدعي تخفيض الإنفاق العسكري لمواجهة تبعات الأزمة.

وعلى عكس أفغانستان، تعاني إستراتيجية الرئيس الأميركي تجاه العراق من غموض واضح، فلم يعلن أوباما عن إستراتيجية جديدة للحرب، ولم يناقش إستراتيجية الإدارة في حالة انزلاق العراق نحو مزيد من التوتر الطائفي، مع انسحاب القوات، هذا في الوقت الذي أبدى أوباما مرونة كبيرة في اتباع نصائح قادة القوات الأميركية بالعراق، فيما يتعلق بوتيرة الانسحاب بموجب الاتفاقية الأمنية.

لكن اعتماد ميزانية إضافية في هذا البلد عشية الانسحاب يطرح تساؤلات حول خطة أوباما في العراق، وسط تخوفات من أن هذا التمويل قد يؤدي إلى أمرين: إطالة أمد الاحتلال، وتعميق وتوسيع نطاق الوجود الأميركي العسكري في أفغانستان إلى أجل غير مسمى.

ويسعى الرئيس الأميركي إلى خفض حجم القوات في العراق، كي يتمكن من تعزيز قوات بلاده في أفغانستان، حيث تخوض قوات «ناتو» حربا ضد القاعدة وحلفائها من «طالبان».

فانسحاب القوات الأميركية، بشكل حقيقي وكامل من العراق وبسرعة، يعني حصول أمور لا تروق للأميركيين، والذي باستطاعة أوباما القيام به هو إعادة انتشار لقواته العسكرية، أي سحب بعض القوات من العراق وترحيلها لأفغانستان من أجل ضبط كفة الموازنة العسكرية المختلة، إلا أنه سيبقى ثقل عسكري أميركي واضح في الساحة العراقية لمنع حصول مضاعفات في الميدان.

فخطاب أوباما التصالحي مع العرب في القاهرة مطلع يونيو الجاري يمثل برنامج عمل سلمي لا يحتاج سوى إلى التطبيق، وعلى الإدارة الأميركية الابتعاد عن «الحروب» التي أثرت على سمعتها دوليا، فعلى واشنطن الآن أن تستفيد من التحسن المستقبلي في الوضع الأمني في العراق لصالح إعادة إعمار البلاد على نحو أكثر فعالية، ولصالح التدريب المكثف لقوات الشرطة والجيش، في انتظار إنهاء الاحتلال كليا واستعادة العراقيين السيادة كاملة على بلادهم بعد عامين.