لا أعرف ما هو وجه المفاجأة فيما قاله رئيس وزراء إسرائيل نتانياهو في خطابه الأخير.. لقد جاء الخطاب كما كان متوقعاً يجسد رؤية حكومة تحالف نتانياهو ـ ليبرمان الرافضة للسلام، المتمسكة بالاحتلال، العنصرية لحد الرغبة في «ترانسفير» جديد تتخلص به من ربع سكانها من عرب 48.

هذا هو جوهر سياسية الحكومة الإسرائيلية، والباقي تفاصيل ومساحات للمناورة وكسب الوقت..فماذا هو الجديد الذي يجعل البعض منا يندهش، والبعض يستغرب، والبعض يذرف الدموع على فرصة ضائعة جديدة لصنع السلام.

إنها الأوهام التي تجعلنا ننسى أن الرجل لا يتحدث إلينا، ولا يضعنا أساساً في حساباته ما دمنا غير قادرين على مواجهة طموحاته وإقامة التوازن الاستراتيجي الذي يسمح لنا بأن ننتقل من حالة العجز التي لازمتنا طويلاً إلى حالة القدرة على الفعل، وساعتها فقط لن نكون مضطرين للحرب بحثاً عن حقوقنا لان امتلاك القوة (بكل مكوناتها العلمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية) سوف يجعل الطرف الآخر يراجع مواقفه ويضع حداً لعدوانه ويدرك أن التسوية السياسية العادلة هي المخرج الوحيد له.

لم يكن خطاب نتانياهو موجهاً للعرب إلا باعتبارهم الطرف المطلوب منه أن يقدم التنازلات ويضفي الشرعية على كل الجرائم التي ارتكبت (والتي سترتكب) ضد الشعب الفلسطيني.

بل كان الخطاب موجهاً لفريقين.. للداخل الإسرائيلي لكي يطمئن غالبية الإسرائيليين اليمينية بأن لا شيء حقيقي سيتغير في برنامج الحكومة الإسرائيلية، وأنه إذا كانت مقتضيات المناورة تقتضي الحديث عن حل الدولتين، فإن الشروط التعجيزية كفيلة بأن تحيل الأمر إلى سراب يجري وراءه الفلسطينيون والعرب ومعهم المبادرات العربية والقرارات الدولية وخرائط الطريق الذي سيجدونه في النهاية مسدوداً بالضبة والمفتاح.

والخطاب أيضا موجه إلى إدارة أوباما وإلى حكومات الغرب التي تدعم التحرك الأمريكي الجديد الذي وضع قضية الصراع العربي الفلسطيني في مقدمة أولوياته، واعتبر التوصل إلى تسوية سياسية تحقق السلام في المنطقة مصلحة أمريكية ومصلحة للعالم كله إذا أراد مواجهة حقيقية لجذور التطرف وعدم الاستقرار.

وهنا كانت المفاجأة الحقيقية في رد الفعل الأمريكي على خطاب أغلق كل أبواب محتملة للسلام، وأصر على الاستمرار في الاستيطان على الأرض العربية المحتلة، وأغلق باب التفاوض على القدس ورفض أي حقوق للاجئين، واشترط الاعتراف ب«يهودية» الدولة الإسرائيلية كشرط لمنح الفلسطينيين علماً ونشيداً واسماً لدولة ليس لها من أركان الدولة شيء حقيقي.. ومع ذلك كله يكون رد فعل الرئيس الأمريكي على هذا الهزل السياسي أنه «خطوة مهمة إلى الأمام»!!

لمجرد أن نتانياهو تنازل وتعطف وتحدث عن احتمال الدولة التي يعرف الجميع بمن فيهم ساسة إسرائيل أنها مصلحة إسرائيلية قبل أن تكون مصلحة لأي فريق آخر بمن فيهم الفلسطينيون، لأن البديل الحقيقي هو ما أشار إليه أوباما نفسه في خطابه بالقاهرة حين تحدث عن الصراع في جنوب أفريقيا بل وفي أمريكا نفسها وطالب الفلسطينيين بأن يتبعوا نفس النهج بالبعد عن العنف واللجوء للنضال السلمي، ولكنه نسي أو تناسى أن الحل هناك كان الدولة الواحدة التي يتمتع كل مواطنيها بنفس الحقوق، وليس بالسعي لإنشاء دولة عنصرية لليهود فقط يطرد سكانها الأصليون إلى المنافي أو إلى كانتونات هي أشبه بمعسكرات اعتقال حتى وإن وضعوا عليها لافته باسم دولة وأعطوها علماً ونشيداً وسلاماً جمهوريا أو ملكيا !!

لا ينبغي هنا أن نضيع الكثير من الوقت والجهد مع خطاب نتانياهو. ولا نريد بالطبع أن نقلب الطاولة ونعلن الحرب على الإدارة الأمريكية..

فهناك موقف متقدم بلا شك من الإدارة الأمريكية، وترك مساحة للمناورة السياسية أمامها خاصة أمام ضغوط هائلة تتعرض لها من اللوبي اليهودي القوي والفعال أمر مفهوم، لكن علينا أن نتحرك (نقولها للمرة الألف) وألا نبقى في كراسي الانتظار، بينما الصراع على قضايانا الأساسية هو في صلب أجندة القوى الكبرى (وفي مقدمتها أميركا) الآن.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية تعلن أنها ستبلور خطتها للتحرك خلال الأسابيع، فعلينا ألا نضيع هذه الأسابيع في الانتظار، أو في الاكتفاء بمهاجمة نتانياهو، أو في مباحثات عقيمة لتحقيق المصالحة الفلسطينية والعربية.

وإنما علينا أن نتحرك في كل الجبهات.. في الخارج لاستثمار المناخ العالمي ومنع إسرائيل من الإفلات من الحصار المضروب عليها، وفي الداخل بتحقيق الإجماع الفلسطيني والعربي على موقف واضح يؤكد أن المبادرة العربية هي نهاية الطريق وليست بدايته كما تريد الإدارة الأمريكية طلباً للمزيد من التنازلات، وأن التفاوض لن يكون إلا بعد وقف الاستيطان، وإلا إذا كان هناك اتفاق واضح على أن الهدف من التفاوض هو إنهاء الاحتلال واستعادة الأرض العربية المحتلة عام 67 بما فيها القدس العربية.

ليس الخطر فيما قال نتانياهو، ولكن الخطر أن تفاجئنا الإدارة الأمريكية بعد أسابيع بما لا يمكن قبوله، بينما نحن مازلنا مشغولين في مباحثات المصالحة الفلسطينية وانتظار استعادة العلاقات المصرية السورية لفعاليتها لتقوم بدورها التاريخي، وبقاء الأوراق العربية مبعثرة دون أن تتم ترجمتها إلى قوة حقيقية تقلب الموازين وتستعيد القدرة على المبادرة.

كاتب صحفي مصري

elsadattt@hotmail.com