في مايو من عام 2004 رشحتني السفارة الأميركية بأبوظبي للمشاركة في برنامج الزائر الدولي والذي تنظمه الخارجية الأميركية منذ خمسينات القرن الماضي وشارك فيه آلاف الشخصيات من جميع دول العالم للتعرف على الحياة الأميركية، وشاركت في البرنامج الذي دار حول القيادات النسائية لدول الشرق الأدنى وشمال إفريقيا من 7 دول عربية تضمنت الزيارة جولة في أربع ولايات.
واشنطن العاصمة جكسن المسيسبي دنفر كلورادو ونيويورك بعد زيارة العاصمة واشنطن والتي تميزت بالزيارات الرسمية للجهات السياسية من الخارجية والكونغرس ومجلس الشيوخ ومقر الحزب الجمهوري، لكن زيارة المسيسبي كانت ابرز ما أود الحديث عنه حيث لفت نظري بروز الجنس الأسمر في هذه الولاية وبساطة العيش فيها وتواضع الخدمات والمنشآت وبعض ملامح الحياة المتواضعة لهذه الفئة التي كانت تعاني من العنصرية والتمييز العرقي ضدها طوال القرون الماضية.
خلال العشرة أيام زرنا مجلس سيدات الأعمال وغرفة التجارة ومستشفى الجامعة ومقر مشاريع الشباب والصلاة في إحدى الكنائس التابعة للسمر وزيارة بعض الشخصيات البسيطة في منازلهم والتعرف على ملامح حياتهم، وتعرفت على البعض منهم عن قرب، حقيقة لمست مدى ثقتهم في أنفسهم وفي تاريخهم وفي الكفاح للحصول على الحقوق في الحياة الأميركية التي يتمتع بها الجميع ومحاولة إثبات أنفسهم ليسوا بأقل من غيرهم فإن اختلفوا في اللون فلديهم الثقة أنه في يوم من الأيام سوف تضحك لهم الدنيا وسوف تصل لهم حقوقهم وسوف يكون لهم شأن وان تركزوا في مناطق أو ولايات معينة.
فحلم الترشيح للوصول لسدة الحكم كان هو الحلم الكبير والبعيد في نفس الوقت للكثيرين وبات الآن حقيقة بعد المد الأوبامي الذي انتشر على كافة شواطئ العالم، المد الأوبامي الذي جاء في وقته ليعطي لمن عاش مهمشاً وضاعت حقوقه أو لم ينل ما يصبو إليه، ليعيش الآن رافعاً الراية ويقول للعالم ها نحن جاهدنا ووصلنا بلون أوبامي يختلف عنكم لكن بنفس درجة مستواكم وفكركم، جاء أوباما ليحطم كافة ما بنته السياسة الأميركية العنصرية طوال قرون.
خلال زيارتنا لمجلس الشيوخ وفي إحدى المقابلات مع عدد من النواب قابلنا النائبة شيلا جاكسون وهي نائبة سمراء ذات شخصية مرحة وقوية وطرحنا عليها سؤالا حول طموحاتها بعد هذا المنصب فقالت قد تأتيكم الفرصة في يوم من الأيام لتقولوا قد قابلنا هذه السمراء التي أصبحت اليوم رئيسة للولايات المتحدة ،هذه الكلمات الخارجة بثقة أوبامية.
وعند زيارتنا لولاية كلورادو وهي ذات صبغة الهنود الحمر ففي العاصمة دنفر وخلال زيارة استمرت ثمانية أيام زرنا احدى المدارس الأكاديمية والتقينا ببعض الطالبات وأولياء الأمور ولفت نظري افتخار المدرسة بأن إحدى خريجاتها وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس فسألت عن سبب هذا الفخر، فقيل لي بأنها علامات المستقبل، ولم يكن في الحسبان بأن طالبة سمراء في المدرسة قد تكون تعرضت للتفرقة أو الاضطهاد بين أقرانها من الطلبة والطالبات نراها اليوم تلف العالم من دولة إلى أخرى وذات سلطة تجعل كل من حولها يقف احتراماً لها.
(البلوتوث) الذي ظهر منذ بروز قيادة مارتن لوثر كينج ينتشر الآن ليقول للعالم سوف يأتي يوم ونرى المد الاوبامي قادماً.
خلال فترة حكم الرئيس السابق جورج بوش برزت ظاهرة المد الاوبامي مع الحماس وخروج السود للحياة السياسية في أميركا بكل تحدي مع بعض الخجل في تولي بعض الوزارات إلى أن جاءت هذه الرسائل برسائل أكبر وهي ترشيح الرئيس أوباما الذي كافح حتى آخر لحظة وحبس أنفاس الكرة الأرضية بكاملها وتوقفت الرسائل الالكترونية والهاتفية لتهز العالم وتقدم الرئيس الأميركي الجديد من الجنس الأسود، وتكشف رسائل البلوتوث أن هذا الجنس جاء ليقول للعالم بأن العرق واللون والجنس والدين والشكل ليس لها حدود أو مكان.
السياسة الأميركية في العالم العربي أو العلاقات العربية الإسرائيلية أو الحرب على العراق أو أفغانستان أو الحرب مع إيران النووية، هذا كله يواجه المراجعة الآن، ما أريد أن أقوله هنا ان الطموح لا يريد شخصاً معيناً بشكل معين أو تعليم أو حزب معين، بل يريد ايمانا بقضية يؤمن بها الإنسان في داخله.
أهم الرسائل التي لا بد أن نستوعبها هي أنه عندما قرر أوباما أن يبعث بهذه الرسائل البلوتوث للبشرية كلها بوصوله أنه أراد أن يؤكد أنه يمد يديه للعالم الذي عاش حروب وقلاقل سياسية وعرقية وطائفية وهو العالم الإسلامي والعربي، وبإلقاء خطاب أراد أن يرسل فيه رسائل للعالم بأن أميركا بدأت بالحروب والآن تبدأ بالسلام ومد اليد والمصافحة بحرارة للتعايش السلمي في ظل فكر سياسي اوبامي مملوء برسائل بلوثوث إعلامية للصغار قبل الكبار حتى يصدق العالم أن أميركا تتغير للأفضل.
هل نصدق هذا الخطاب ونمد أيدينا للمصافحة والمصالحة، أم نريد ما هو أكثر من ذلك للتصديق بهذه الرسائل، أم نتعامل معها كأنها فرقعة إعلامية جاءتنا بطريقة البلوتوث الذي قد تمحوه من صندوق الوارد بكبسة مسح، أم علينا التصديق والاحتفاظ بها في حافظاتي لتبقى مخزونا في المستقبل حتى نرى نتائج هذا الفكر الاوبامي الجديد الذي ما زال يراهن عليه العالم حتى الآن؟
كاتبة إماراتية