في الماضي بعد نكبة عام 48 كان كل حلم الكيان الصهيوني في فلسطين الذي فرض نفسه بالقوة والإرهاب بغطاء بريطاني استعماري هو في القبول بـ «إسرائيل» كدولة «ديمقراطية» تضم اليهود والعرب داخل الخط الأخضر إلى جانب الدولة الفلسطينية التي حددها قرار مجلس الأمن بـ 47% من أرض فلسطين التاريخية وتضم الفلسطينيين العرب أيا كان دينهم..
ورغم هزيمة العسكرية العربية المرة عام 67 واحتلال إسرائيل بالقوة العسكرية وبتواطؤ أميركي عدواني لبقية فلسطين بما فيها القدس ولأراضي من ثلاث دول عربية، رفض العرب الاستسلام سياسيا للشروط العبرية والغربية والاعتراف بالكيان الغاصب، وأعلن الزعماء العرب في قمة الخرطوم التاريخية لاءاتهم الثلاث الشهيرة، لا صلح ولا مفاوضة ولا اعتراف ولا تصرف بالقضية الفلسطينية لأنها ملك كل أجيال الشعب الفلسطيني.
لكن الغريب أنه رغم الانتصار العسكري العربي المجيد الذي حققته الجيوش العربية في الجبهتين المصرية والسورية وقهرها المشهود للجيش الصهيوني «الأسطوري الذي لايقهر»، ساد الاتجاه إلى الحلول الجزئية برعاية أميركية بأسلوب الخطوة خطوة، ووفق مبدأ الانسحاب الصهيوني عن الاحتلال غير الشرعي لمساحة من الأرض العربية المحتلة مقابل التراجع العربي عن الحق الشرعي في فلسطين بمساحة من الاعتراف العربي بإسرائيل على حدود 67.
أي على 80% من فلسطين التاريخية والعمل على تحرير ما يمكن تحريره من الأراضي العربية المحتلة بالتفاوض الثنائي مع إسرائيل كل دولة على حدة وليس بوفد عربي موحد، وفق القرار 242 الداعي إلى الانسحاب الإسرائيلي وعدم جواز ضم أراضي الغير بالقوة والدخول في مفاوضات بعدها توصلا إلى السلام الدائم، لكن إسرائيل رفضت الانسحاب قبل الاعتراف والتطبيع، ورغم أنها لم توقف اعتداءاتها اشترطت وقف المقاومة تمهيدا للتفاوض وصولا إلى الحل الشامل مقابل معاهدات سلام مع جميع الدول المحيطة بإسرائيل.
وكان من الطبيعي في ظل استمرار الاحتلال ورفض إسرائيل للانسحاب والتسليم بالحقوق الفلسطينية والعربية وفق قرارات الشرعية الدولية هو استمرار المقاومة الشعبية العربية المشروعة بكل الوسائل لتحرير الأراضي المحتلة في فلسطين وفي لبنان.
الأمر الذي اتخذته إسرائيل ذريعة لشن حربين عدوانيتين إجراميتين فشلتا عسكريا وسياسيا في القضاء على المقاومة العربية، على لبنان مرتين، انتهت الأولى بطرد المقاومة للاحتلال من جنوب لبنان عام 2000 والثانية بقطع ذراع الجيش الصهيوني الذي لايهزم عام 2006، وعلى فلسطين مرتين انتهت الأولى باخفاق في جنين عقب مبادرة السلام العربية، والثانية بفشل استعادة الجندي الأسير من غزة وصمود الشعب الفلسطيني !
والأغرب أنه رغم الانتصار العسكري العربي على إسرائيل مرتين، للجيوش مرة والفشل الإسرائيلي أمام المقاومة مرة أخرى، كان العرب أكثر كرما في السياسة، ومن فرط حرصهم على السلام، قدموا مبادرتهم الشهيرة للسلام، التي تعرض على الإسرائيليين التراجع عن الاحتلال غير الشرعي للأراضي العربية المحتلة على جميع الجبهات.
والتسليم بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وأولها حق عودة اللاجئين وحق إقامة الدولة على حدود 67، أي على 20% فقط من فلسطين التاريخية، على أساس القرارات الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام، مقابل الاعتراف العربي الكامل بإسرائيل على 80% من فلسطين وتبادل العلاقات معها وتوقيع معاهدة سلام عربية إسرائيلية..
ورغم أن هذا يفوق حلم المعتدين المستعمرين، ترفض إسرائيل السلام العربي وتحاول فرض الاستسلام على الفلسطينيين والعرب.. فهل من المعقول الاستسلام لشروط نتانياهو الصهيونية في ظل الفشل العسكري الإسرائيلي.. بينما رفضوا الاستسلام في ظل هزيمتهم العسكرية ؟!!..عشم إبليس في الجنة!
كاتب مصري