هكذا صوّروه بالكوفية الفلسطينية على طريقة الرئيس الراحل ياسر عرفات مع جملة تقول: «باراك حسين أوباما، معاد للسامية وكاره لليهود». الذين صوروه، كما وصفتهم الصحافة الفرنسية، هم متطرفون يهود إسرائيليون.

والصورة التي علّقوها على مداخل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وجدت مكانها في أغلبية الصحف الصادرة اليوم.

ليس المقصود هنا مناقشة خطاب نتنياهو وما يحتوي عليه من مغالطات و«التواء» في الكلمات وفي مدلولاتها. ولكن ما وجده من أصداء لدى وسائل الإعلام الغربية التي قرأته عامة من خلال نقطتين أساسيتين.

الأولى هي أنه «وافق على قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح».

الثانية انه «رفض تجميد بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية».

وسائل الإعلام هذه رأت «الجديد والتجديد» الكبيرين في تلفّظ نتنياهو بتعبير «الدولة الفلسطينية» بعد أن كان قد رفض ذلك طيلة الحملة الانتخابية التي كرّسته كرئيس وزراء الدولة العبرية، واكتفى حينها بالحديث عن «كيان فلسطيني مستقل ذاتيا اقتصاديا».

ما لم يقله أحد هنا هو أن الشروط التي حددتها نسخة نتنياهو للدولة الفلسطينية «المنزوعة السلاح والتي لا تمتلك السيطرة على أجوائها مع إخضاع حدودها للرقابة الصارمة» ليست أبدا أكثر من «كيان فلسطيني مستقل ذاتيا اقتصاديا».

ولم يقل أحد، وحتى بين الأكثر علمانية من المعلّقين والشارحين، أي شيء عن المطلب «العنصري» لنتنياهو بمطالبة العرب والفلسطينيين الاعتراف بالصفة اليهودية لإسرائيل، وكأن الأمر مسألة طبيعية.

هذا مع أنه يخفي وراءه فعليا الاعتراف بكل الأطروحات الصهيونية وبالشرعية اليهودية التاريخية بامتلاك فلسطين. إنه الاعتراف ضمنا أن الفلسطينيين كانوا لقرون عديدة مجرّد محتلّين لفلسطين بينما استعاد اليهود حقّهم التاريخي بـ «أرض الأجداد». على أساس مثل هذا المنطق ينبغي أن تختفي دول كبرى قامت على أراضي الغير، وفي مقدمتها الولايات المتحدة نفسها.

إذا كانت هذه هي بعض مواقف وسائل الإعلام الغربية فماذا عن الموقف الرسمي الأوروبي وتداخلاته مع ما يمكن أن يفعله الرئيس أوباما؟

الموقف الرسمي الأوروبي، كما عبّر عنه وزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي ال27 أثناء اجتماع لهم قبل أيام في لوكسمبورغ، يمكن تلخيصه أيضا في نقطتين أساسيتين:

الأولى هي أن خطاب نتنياهو شكّل «خطوة إلى الأمام».

الثانية هي أن هذه الخطوة «ليست كافية» من أجل إلغاء القرار الذي كان الأوروبيون قد اتخذوه قبل فترة والقاضي بتجميد عملية تعميق العلاقات مع تل أبيب.

للإشارة كان هناك قرار أوروبي سابق بضرورة ذلك التعميق.

الأوروبيون أسهبوا في الثناء على «الخطوة إلى الأمام» التي قام نتنياهو بها، حسب رأيهم، لكنهم استدركوا سريعا بالتأكيد على ضرورة فتح مرحلة جديدة من المفاوضات وخاصة حول المستوطنات ووضع مدينة القدس.

ومن المثير للانتباه وللاستغراب بنفس الوقت أن وزير الخارجية الاسباني ميغيل ماراتينوس، المعروف بتفهّمه للقضايا العربية، كان هو الأكثر تعبيرا في وصف خطاب نتنياهو أنه «كافٍ» وبالتالي «يثمّن تصريحاته إيجابيا».

بكل الحالات من الواضح أن الميل الغالب لدى الأوروبيين هو ربط «شراكتهم الخاصة» مع إسرائيل بوجود إطار لمسيرة السلام «فهذا مذكور بدقة في النصوص»، كما صرّح وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر.

وكان أيضا في غاية الوضوح عندما قال: «من الجيّد استحسان فكرة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وديمقراطية إلى جانب إسرائيل. لكن شروط تأسيس هذه الدولة ليست متوفرة. خاصة أنه لم يتم الحديث عن وقف الاستيطان، فهذه مسألة أساسية».

وحول هذه المسألة بالتحديد يمكن أن تتقاطع مواقف الأوروبيين مع نهج الرئيس أوباما الذي تحدّاه نتنياهو صراحة، وكدّس الشروط التي تجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية كالتي طالب فيها الرئيس الأميركي في القاهرة يوم 4 يونيو الماضي.

استراتيجية نتنياهو مقروءة بسهولة.إنه يحاول كسب الوقت و«تطويل» المفاوضات، إذا بدأت أصلا، إلى حين موعد الانتخابات الأميركية القادمة وفعل كل ما أمكن ضد أوباما بأمل إزاحته بـ «نعومة» أو ربما بطرق أكثر «جذرية».

لكن المشكلة هي أن إستراتيجية أوباما نفسه ليست بنفس الوضوح. لا شك أنه يعرف، فالكل يعرف، إلى أين سيحاول نتنياهو دفعه. ولا شك أنه، رغم كل التساؤلات، سيحاول التقدّم في ملف السلام وحل الدولتين على قاعدة التزاماته.

ولعلّ الورقة الأقوى التي سوف يلجأ إليها هي ورقة الرأي العام الدولي وإطار الأمم المتحدة للوصول إلى حل. ضمن هذا المنظور سوف يحتاج فعليا وجديّا لدعم الأوروبيين. لكن هنا أيضا سيكون اللوبي الموالي لإسرائيل في أوروبا بالمرصاد.

إسرائيل تلقى الكثير من الدعم الإعلامي والسياسي في الغرب عامة ووراءها جماعات ضغط قويّة. أو ليس إذن من واجب الفلسطينيين أن يدعموا أنفسهم أولا بتوحيد صوتهم، ومن واجب العرب أن يدعموهم بالاتفاق على كلمة موحّدة يقولونها وعلى موقف يأخذه الأصدقاء والأعداء في حساباتهم؟

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr