اتخذت دولتنا شكل ونظام الدولة الاتحادية منذ نشأتها، ولم يكن هذا اعتباطاً ولا صدفة، فالدولة الاتحادية لها أسس فلسفية وأركان فكرية دافع عنها من قديم كبار فلاسفة السياسة، ومن هؤلاء الفيلسوف الأميركي الكسندر هاملتون (1754 ـ 1804) .
واليوم لنا وقفة مع هذا الفيلسوف، حيث نلقي الضوء على أفكاره، ثم نبين نقاط التقاء دولتنا وأمتنا الاتحادية مع تلك الأفكار، وكيف يمكن أن نستفيد من أفكار هذا الفيلسوف السياسي الذي يعد أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية، وأول وزير خزانة، ومن كبار المحامين الدستوريين، وتكريماً له تم طبع صورته على العملة الأميركية فئة 10 دولارات.
وعلاوة على ذلك فقد كان من بين من قاموا بصياغة الدستور الأميركي، وكان مؤلفاً مع «جيمس ماديسون» و«جون جاي» للأوراق الفيدرالية والتي تعد أهم مصدر معاصر يعتد به في شرح مغزى دستور الولايات المتحدة.
وهذه الأوراق الفيدرالية سوف نتوقف عندها للوقوف على أفكاره عن الدولة الاتحادية، وهو ما يعنينا في المسألة كلها، لأنه أمر يخص دولتنا وأمتنا الاتحادية التي قامت على الأساس الفيدرالي الاتحادي من أول يوم باتفاق الآباء المؤسسين لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث انتقلت من مجموعة من الإمارات المتباعدة إلى دولة فيدرالية موحدة سنة 1971.
وأخذت الإمارات نظام الدولة بكل مؤسساته القائمة على دستور فيدرالي لا يجعل السلطة مركزية، بل يعطي كل إمارة على حدة صلاحية الإدارة الاقتصادية فضلاً عن إدارة الشؤون المحلية بشكل ذاتي كبير، ولذا أصبحت أول دولة في العالم العربي تقوم على أساس فيدرالي، وهذا هو الأساس نفسه الذي قامت عليه كثير من الدول الحرة في العصر الحديث، خاصة في العالم العربي.
وهذا أيضاً هو النظام السياسي الأفضل الذي دعا إليه كبار فلاسفة السياسة مثل هاملتون، ومن قبله الفيلسوف الفرنسي «مونتسكيو» وغيرهم. ويوجد خلاف حول موقف «مونتسكيو» من هذه المسألة: هل يفضل النظام الملكي الدستوري أم النظام الجمهوري على رقعة صغيرة أم النظام الجمهوري الفيدرالي.
وقد ناقش «الكسندر هاملتون» تلك المسألة في خطابه إلى أهالي ولاية نيويورك (1987)، مما يعكس في النهاية مدى تأثير «مونتسكيو»، فلقد استشهد المعارضون للنظام الجمهوري الفيدرالي، برأي «مونتسكيو» حول ضرورة أن يكون نطاق نظام الحكم الجمهوري ضيق الرقعة.
وهذا ينطبق على دولتنا الاتحادية على عكس الولايات المتحدة شاسعة المساحة. ومن ثم يفضل «مونتسكيو» هذا النظام لأية دولة، مساحة دولتنا الاتحادية.
فهذا الشكل من الحكومة هو الميثاق الذي على أساسه توافق عدة ولايات أو إمارات صغيرة على أن تصبح أعضاء ضمن حكومة أكبر، تنوي الولايات المتحدة أو الإمارات تشكيلها، إنه تجمع من مجتمعات سوف تكون مجتمعاً واحداً أكبر، يستطيع التنامي عن طريق الانضمام إليه حتى يبلغ درجة من القوة بمقدورها أن توفر الأمن والسلامة للكل المتحد.
ومن حسنات النظام الاتحادي أن دولة من هذا النوع، قادرة على الصمود تجاه قوة أجنبية، تستطيع الاعتماد على ذاتها بدون أي إفساد من الداخل. وذلك أن شكل المجتمع يحول دون أي شكل من أشكال الفوضى والإزعاج.
ومن حسنات النظام الاتحادي كذلك أنه إذا حاول أي عضو بمفرده اغتصاب السلطة العليا، فليس يفترض أن يجد ذلك العضو سلطة مساندة من أي ولاية أو إمارة أخرى، ولن يجد تأييدا له من جميع الولايات أو الإمارات الفيدرالية أو الاتحادية. ولو حدث تمرد عام في إحدى الولايات المتحدة المنضمة على الإمارات الفيدرالية أو الاتحادية، فإن بمقدور الآخرين، في الإمارات الأخرى أن يخمدوه.
ولقد قام «الكسندر هاملتون» باقتباس هذه الأفكار المهمة من «مونتسكيو» لأنه وجدها تنطوي على نور كاشف ومختصر للمناقشات الرئيسية التي تسند فكرة الاتحاد، وبالتالي فبمقدورها أن تقشع الانطباعات الخاطئة التي قد يخلقها سوء تطبيق الأجزاء الأخرى من كتابات «مونتسكيو». كما كان يهدف «هاملتون» إلى توضيح ميل الاتحاد لإصلاح كل من الانقسام الداخلي والاضطرابات معاً، ومعالجة ذلك.
وأكد أن الاتحاد الراسخ المكين سوف يكون أقوى حافز لخدمة سلام الولايات وحريتها باعتباره حاجزاً صلباً يصد الاضطراب والانقسام الداخلي فيها. على العكس من الجمهوريات الصغيرة في بلاد الإغريق وإيطاليا التي كانت الارتباكات تزعجها على الدوام، ومن التعاقب السريع لقيام الثورات فيها حتى أبقتها في حال تذبذب دائم بين أقصى الطغيان وأشد الفوضى.
وليست فكرة الدولة الاتحادية في الواقع فكرة جديدة، لقد تمت ممارسة ذلك في أقطار مختلفة وعصور مختلفة، ولقد حظيت بالتأييد من معظم الكتاب المشهود لهم بالحصافة في شؤون السياسة، كما حظيت بمدح الكثير من فلاسفة السياسة.
هذا هو التأسيس الفلسفي لأمتنا الاتحادية ودولتنا الفيدرالية من أبوظبي إلى الفجيرة.