كان العالم خلال الأسبوع الماضي قد تحول من لبنان إلى إيران، فما يجمع البلدين قد لا يتسع كثيرا عن أنهما تمثلان الندرة القليلة من الدول التي تجرى فيها انتخابات قد تكون إلى حد كبير أو صغير نزيهة.
كما أنهما قد اتفقتا رغم اختلافاتهما السياسية الجوهرية على رفض التغيير. فالتغيير قد يحمل في العادة الأمر الذي لا يسر، ونحن في مجتمعاتنا نرغب في الاحتفاظ بالقديم مهما كان أمره موجعا أو وغير ذي منفعة لأن الاحتفاظ بالقديم يجلب لك قدرا من الشعور بالأمن والأمان وهو الأمر الذي لا يأتي مع التغيير..
لقد كان العالم خلال يوم الجمعة الماضي مشدودا إلى طهران. وقد مارس الأوروبيون والأميركيون، أقول ذلك، قدرا غير عادي من الانضباط فيما يتعلق بمواقفهم من الشخصيات المتنازلة في الانتخابات الإيرانية. لقد رغب الأوروبيون والأميركيون.
وأقول كذلك، رغبنا نحن في أن يأتي أحد إصلاحيا رئيسا للدولة في إيران، كأن يأتي مير حسين موسوي أو رجل الدين كروبي للسلطة فهما رغم أن وجودهما لن يغير شيئا كثيرا من حيث العلاقة مع الخارج إلا أنهما قد لا يتجهان نحو افتعال المعارك الكلامية مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية أو مع ما يسمونه «بأذيال الإمبريالية» في المنطقة. وبالتالي في أن تقود لغة الخطاب إلى توتر في السياسة.
إن انتخاب السيد أحمدي نجاد ولدورة ثانية قد ألحق ضربة أخرى للتيار الإصلاحي داخل مؤسسة الحكم الإيرانية وعزز بالتالي من حضور التيار المحافظ في السلطة. فرغم أن التحليلات قد ذهبت للقول ان حضور المترشح الإصلاحي المحافظ موسوي قد تكون قريبة من الفوز في ضوء ما يشاهدونه من رغبة في التغيير في أوساط الجماعات المدينية المتعلمة في المدن الإيرانية .
وهم في ذلك لا يمثلون وفق بعض التقديرات أكثر من ثلث الناخبين الإيرانيين. فأهالي القرى والمناطق الفقيرة الأخرى قد شكلوا الثلثين الحاسمين في فوز نجاد وهي قطاعات لم تشملها كما يبدو حركة وأنشطة التيار الإصلاحي.
فقد يكون أحمدي نجاد في طبيعة لغته وخطابه السياسي ولربما في مظهره الخارجي ونمط حياته شخصية ليس جديرا، كما يرى البعض، بالفوز للدورة الثانية، أو لربما شخصية ليست جديرة للفوز بمقعد الرئاسة في إيران، إلا أن صناديق الاقتراع تبقى مع ذلك لا تقررها لغة المترشح و«هندامه» وإنما تقررها طبيعة القوى الماسكة بالمجتمع.
فرغم أن جيلا جديدا قد برز بعد الثورة تجاوز فيها هذا الجيل عقدة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية وسنوات الحرب مع العراق، إلا أنه رغم ذلك جيل لا يمسك بمؤسسات الدولة ومفاتيح أبوابها. هذه المفاتيح التي مازالت في حوزة التيار أو الجماعات التي جاءت مع الثورة في نهاية السبعينات.
وهي جماعة قد صاغت الشكل الذي تريده للدولة وشكلت في ضوئه حاجاتها منها، أي من الدولة، ورسمت ما نسميه «بديمقراطيتها الُمُحكَمَةِ«. أي أن ما نشاهده في إيران لا يوجد مثيلا منه في إطارها الإقليمي من حيث أن هناك قدرا من تدوير السلطة يبدو في تناوب نواب في برلمانها وتغيير لرؤساء الدولة فيها.
إلا أنها مع ذلك تبقى ديمقراطية لا تخرج عما هو مقرر لها وضابطا لسلوكها من خلال تشريعات دستورية ومؤسسات سياسية ودينية تفقد الحكومة السلطة على إصدار القرار، هذا القرار الذي مازال يمسك به من يحتل كرسي المرشد العام. وهو منصبا يحمل قدرا كبيرا من السياسة وقدسية لا متناهية مستمدة من الدين.
أي أنه في هذا يحمل أهم مكوني القوة والسلطة في المنطقة العربية والإسلامية: الدين والسياسة. وقد يكون هذا مفسرا لقدرة من يحتل هذا المنصب على أن تكون قوة أي من السلطات الأخرى القائمة في المجتمع تحت مسائلته، بل أنها سلطة قد لا ترى في بعض الأحيان ضرورة من أن يكون هناك قوة ذات حرية تتجاوز المسموح به في ضوء مباديء الثورة، وهو السلوك الذي بات منتشرا ومعبرا عنه في أوساط بعض القوى الجديدة في المجتمع من النساء والشباب.
فالتعبير عن الاختلاف قد يأتي تحت طائلة اتهامات الخروج عن مباديء الثورة والدين أو التمثل بالغرب والثقافة الغربية أو تحت مبررات مثل التعاطي أو التخابر مع «الإمبريالية» أو مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية.
ومع ذلك فان حجم التغيير الذي جاء على إيران منذ الثورة الإسلامية في نهاية السبعينات حتى الآن كبيرا ومؤثرا، وهو تغيير لا يلحظه الملاحظ في الخارج أو الزائر لها، إنما تلحظه في تلك التحولات التي بات النظام غير قادر إلا بالسماح لها، ولو كان ذلك قسرا أو تجاوزا.
وما ردات الفعل الرافضة لنتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة إلا أحد مظاهرها ولن أقول انها أحد إرهاصات التحول الذي نتحدث عنه، بل هو أحد مظاهر التململ من الحالة السياسية التي سادت الحكم والسياسة والمجتمع في إيران خلال السنوات الأربع الماضية. كما أنها تحولات تعبر كذلك عن حالة ما يسمى «بالتعب الثوري» الذي أصاب الرعيل الأول من قيادات الثورة الإيرانية.
وهو تعب أقرب إلى ما نسميه نحن في عالم السياسة بالواقعية السياسية التي باتت تحكم عالم اليوم. هذه الواقعية التي قد تفرض على نجاد على أن يكون في دورة حكمه الثانية مختلفا قليلا أو كثيرا عن حالتها الأولى.
وهي حالة وإن كانت كما يقول البعض قد جلبت «الاحترام» لإيران من القوى العظمى، إلا أنها وفي الوقت ذاته قد عقدت من علاقاتها السياسية معها. بل انها حالة قد أتت ببعض قد يكون كثيرا من المصاعب الاقتصادية للناس والدولة فيها.
كاتب بحريني