خلال الأيام الماضية عقدت في موسكو ويكاترينبورج أربعة لقاءات على مستوى القمة، بين قادة وسط آسيا وروسيا، حيث بدأت بقمة دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي حددت خطة لتشكيل قوات الانتشار السريع المنوط بها حماية أمن الأقليم، ومواجهة مخاطر الإرهاب المتنامية. وفى أعقاب هذه القمة عقدت قمتا منظمة شنغهاي و(BRIC) التي تضم الهند وبرازيل والصين وروسيا أي الدول الأكثر نموا اقتصاديا في العالم والتي يبلغ تعداد سكانها نصف سكان الكوكب.

وإذا كانت قمة الأمن الجماعي قد بحثت سبل حماية استقرار الإقليم، فإن القمتين التاليتين قد تركزتا على سبل تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية، وملفات أمن الطاقة. ولاشك أن قادة الدول المشاركين في هاتين القمتين قد وضعوا المحاور الأساسية التي ستمكنهم من تجنب تداعيات الأزمة المالية العالمية.

والتي تمثلت أولا في تطوير وتعميق التعاون بينهم، باعتباره مخرجا حيويا من المصاعب الناجمة عن الأزمة، إضافة لتوحيد الجهود نحو إصلاح المؤسسات المالية الدولية، والذي يجب أن يترافق مع إقامة عالم متعدد الأقطاب، يحترم فيه أطرافه مصالح الآخرين، ليتحقق تعاون مثمر وفعال في مواجهة مخاطر انهيار النظام المالي العالمي.

أما قمة شنغهاي فبالإضافة لقراراتها الاقتصادية فقد توصلت لصيغة مشتركة، ستوحد جهودها في مواجهة الإرهاب وتجارة المخدرات، وستدعم بالتالي الدور الذي تلعبه منظمة الأمن الجماعي في الإقليم، وقوات الانتشار السريع التابعة لها.

واذا كانت موسكو قد أعلنت في السابق مرارا أن تطوير منظمة شنغهاي للتعاون يعد أحد أولويات سياسة روسيا الخارجية، فإنها تتمسك أيضاً بتطوير وتوسيع دور ونفوذ منظمة الأمن الجماعي، كحلف دفاعي لحماية أمن الإقليم.

ويترافق ذلك مع بدء استعداد هيئة الأركان الروسية لتنفيذ سلسلة مناورات واسعة، ستؤدي لأن تنقل روسيا إلى الأراضي البيلاروسية في سبتمبر جيشين بكامل تشكيلاتهما للمشاركة في مناورات «الغرب» الواسعة الأبعاد. كما أقرت الحكومة الروسية بروتوكولا لزيادة مدة وجود القاعدة العسكرية الروسية في مدينة قانت القرغيزية، لمدة 49 عاما قابلة للتجديد.

وتضم قاعدة قانت طائرات مقاتلة من طراز «سو ـ 25» والمروحيات العسكرية من طراز «مي ـ 8»، ويجري توسيع المطار التابع لهذه القاعدة حتى يستطيع استقبال طائرات إستراتيجية حاملة للصواريخ من طراز «تو-160» و«تو-95» و«تو-22 م ز» وأي طائرة من طائرات النقل العسكري.

في وقت ألغت الحكومة القرغيزية فيه اتفاقية مماثلة مع الولايات المتحدة، تستخدم القوات الأميركية بموجبها مطار «ماناس». وينبغي للقوات الأميركية أن تغادر قاعدة «ماناس» قبل منتصف أغسطس 2009.

لاشك أن هذه القمم والخطوات التي تسبق انعقاد قمة الثماني الكبار، تستهدف وضع حقائق محددة على طاولة مباحثات هذه القمة، تستهدف إقناع الغرب بضرورة احترام المصالح الروسية، وعدم تجاهل النفوذ الروسي.

لأن هذه التحركات الواسعة التي تمنح روسيا إمكانات كبيرة لتبادل المنفعة مع دول الإقليم ودول أميركا اللاتينية، تقود بالضرورة لمرحلة تقترب من التحالف بين هذه الدول، التي تبحث عن سبيل لتجنب تداعيات الأزمة المالية العالمية، وتسعى لوضع رؤية تضمن استقرار وأمن المجتمع الدولي.

وروسيا من خلال تحركاتها ومبادراتها لا تقدم مثالا حيا فقط على كيفية تنسيق الجهود لصالح كافة أطراف المجتمع الدولي، وانما تحقق خطوة متقدمة نحو حماية مصالحها ومصالح شركائها من أساليب استخدام القوة وفرض الهيمنة.

ولعل مساعي روسيا ستكون محل بحث في قمة الثمانية الكبار كمثال يحتذى به، لإخراج المجتمع الدولي من مآزق الأزمة المالية، ولمواجهة مخاطر وتحديات الإرهاب والجريمة والمخدرات. لأن هذه الأمور لا يمكن أن تكون في ذيل القائمة.

كما أن حل أزمات هذه الدولة أو تلك على حساب الآخرين، لن ينقذها من أزمات لاحقة، بل سيزيد من تفاقم وتدهور الوضع. ما تسعى موسكو لإقناع العالم به ،هو أن إنقاذ النظام العالمي الجديد لا يمكن أن يتم دون تنسيق وتعاون واحترام مصالح الآخرين، وذلك على أرضية التعددية القطبية.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru