واحدة من ملامح التغيير التي تعيشها العاصمة الأميركية منذ أشهر هي في تلك الرغبة الصريحة لدى عدد كبير من المشتغلين بالسياسة في واشنطن للإنصات. قلت، مازحاً، لصديق من المحسوبين على الإدارة السابقة: لقد تحدثتم كثيراً وطويلاً على مدى السنوات الثماني الماضية فلعل الإدارة الجديدة تكفر عن بعض خطايا واشنطن السابقة بالإنصات وسماع وجهة نظر مختلفة. في واشنطن هذه الأيام، ثمة رغبة للاستماع ولفهم حقيقي لما يود العالم قوله لأميركا.
في لقائي مع سيدة تعمل ضمن فريق الرئيس باراك أوباما الاستشاري ـ (الأمانة المهنية تمنعني عن ذكر اسمها هنا) ـ كنت المتحدث الرئيسي بناء على كثرة أسئلتها عن المنطقة إجمالاً وعن دبي خصوصاً. فرحت بكثير من أسئلتها التي تناولت تعامل دبي مع الأزمة المالية العالمية ومبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الإنسانية والتنويرية، مثل دبي العطاء والحوارات الثقافية مع الآخرين ومشاريع الترجمة ودعم الشباب وإعطاء فرص أكبر للمرأة العربية. كانت تنصت جيداً لحديثي عن منجزات دبي خاصة تلك المتعلقة بمبادرات تنموية موجهة للمنطقة العربية.
لكنها سألتني بتفاصيل عن برامج الترجمة التي تتبناها كل من أبو ظبي ودبي. كانت السيدة الكريمة تدرك جيداً، وبلغة الأرقام، أن أولويات التنمية تبدأ ببناء معرفي للشباب في العالم العربي وكنت معها نقر أن دبي ـ بمبادرات حاكمها ورؤيته ـ أدركت معنى وأهمية التوجه لمشكلات المنطقة بأفكار خلاقة تُعنى بتنمية الشباب العربي معرفياً ودعم مشاريع الشباب وخلق فرص من الأمل في المستقبل حتى لا يقود الإحباط والفقر شباب المنطقة إلى مزيد من العنف والضياع.
دبي أسست لنفسها مكانة عالمية مهمة كنقطة جذب سياحية بما صنعته من إمكانيات وبنية تحتية ستؤهلها أن تبقى وجهة سياحية رائدة لعقود. لكن دبي ليست فقط وجهة سياحية عالمية متميزة. دبي اليوم تعد من أهم مراكز «التنوير» العالمية ببرامجها ومشاريعها الثقافية التي تعنى بتنمية الإنسان في العالم العربي.
وهي أيضاً من المراكز العالمية التي نجحت في استقطاب أبرز العقول المبدعة في قطاع البنوك والهندسة المعمارية والإعلام ومجالات كثيرة أخرى. وفي ظل الحديث المتصل عن دبي، على مدى أسبوعين خلال زيارتي للولايات المتحدة، يطل السؤال مجدداً: كيف أثرت الأزمة المالية على اقتصاد دبي؟
كنت أكرر بأن نفي التأثر السلبي بتداعيات الأزمة فيه مكابرة وتعالٍ على الواقع. لقد تعلمنا من دبي أن نواجه الحقيقة، أياً كانت، بصدق وثقة.
الحقيقة أن الاقتصادات الحية هي تلك المتفاعلة مع المناخ الاقتصادي العالمي، تتأثر به وتؤثر فيه. وما زلت عند قناعتي ـ التي كتبتها هنا قبل 6 أشهر في مقالي «دبي.. وإن طال الزمن» ـ بأن دبي، في ظل الأزمة العالمية، مثل عربة كانت تسير بسرعة 180 كلم في الساعة ثم اضطرت أن تخفف سرعتها إلى 120 كلم في الساعة.
هل لابد أن نُذكر من يشكك في مستقبل هذه الإمارة الرائدة بحقيقة أن كل العوامل التي ميزت دبي، على مدى عقود مضت، وجعلتها تتبوأ مكانتها الراهنة، ما زالت قائمة؟
فعلاً، لقد صنعت دبي من نفسها «أنموذجاً» فريداً للنجاح يحتذى به. كنت أقول لزملاء سابقين من محطة ال ء خمٌَّّ، في لقاء غداء دعيت إليه في نيويورك، أن دبي اليوم تقود مشروع التنوير والتغيير في منطقة سكنها اليأس طويلاً. أغلب الأصوات الإصلاحية التنموية في منطقتنا اليوم تفاخر بما تحقق في دبي ليس فقط من منجز مادي ملموس، من أبراج عملاقة وفنادق راقية وأسواق واسعة.
ولكن أيضاً بالمنجز الفكري المتمثل في بناء الإنسان أولاً عبر برامج متفوقة لتأهيل القيادات الشابة وتأسيس أنظمة دقيقة تفوقت على عُقد البيروقراطية وضمنت مستوى عال من الشفافية واستقلالية للقضاء ومؤسسات الرقابة والمحاسبة وفكر إداري معاصر.
وإسهام دبي «التنويري» لم يختصر فعالياته وبرامجه فقط على دبي. مساء السبت، 30-5-2009، كنت أدير جلسة فكرية على مسرح مكتبة نيويورك العامة بعنوان: عيون جديدة على الشرق الأوسط. وكانت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم وراء تنظيم الحدث. وكان السؤال الرئيسي للجلسة هو كيف نفتح مزيدا من نوافذ التواصل الحضاري بين العالم العربي وأميركا من خلال الفكر والأدب والثقافة؟
وكنت، أثناء جلستي، أشعر بفرحة لا حد لها. فهكذا وبمثل هذه المشاركات نسهم عملياً ليس فقط في تأسيس مناخ مختلف لحوار حضاري إنساني مع العالم ولكننا أيضاً نستثمر في توجه جديد ومختلف بادر به الرئيس الأميركي باراك أوباما لكي يؤسس لمناخ إيجابي من الانفتاح الواثق على قضايا العرب وثقافتهم وتاريخهم. لم يضر العرب، عل مدى المائة سنة الماضية، أكثر من تلك المواقف السلبية والمحبطة واليائسة تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين.
ولهذا يصبح اليوم ملحاً أن تواصل دبي مشروعها «التنويري» تجاه المنطقة العربية التي تزداد إشكالاتها على أصعدة كثيرة. والنجاح الذي تحقق لدبي، عبر مؤسساتها وشبابها وقبل ذلك رؤية حاكمها وقيادته، يجعل منها الأجدر لقيادة هذا المشروع التنويري الحضاري عربياً. من تلك الحقيقة جاء ذكر دبي في خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاهرة كأحد نماذج النجاح المهمة في العالمين العربي والإسلامي.
في كل كلمة إطراء سمعتها عن دبي في أميركا تذكير بأهمية ما تحقق وبحجم المسؤولية المناطة بدبي اليوم. فالدور التنموي «التنويري» التي تلعبه دبي ـ مع ما تحقق لها من مكانة عالمية على صعد كثيرة ـ هو ما سيعمق التجربة ويؤكد المكانة ويحمي المنجز من عيون الحاسدين وأطماع الحاقدين.
هنا ليس مديحاً من اجل المديح، فما عادت دبي تنتظر أو تحتاج المدح، لكنه تذكير بـ «مسؤولية» دبي القادمة نحو أهلها وأهل جوارها العربي.. ودبي.. كما كانت وما زالت.. جديرة بتلك المكانة وهي، قبل وبعد كل شيء، أهل لهذا التحدي!
كاتب ومستشار إعلامي