هل كانت هناك مفاجأة ما في نتائج أكثر الانتخابات الرئاسية الإيرانية إقبالا على التصويت، وأسخنها احتداما وحيوية بين المرشحين الأربعة، سواء فيما جرى بينهم من مناظرات فكرية مثيرة على شاشات التليفزيون لأول مرة في انتخابات المنطقة فتحت الكثير من الملفات الشخصية؟، أو فيما جرى بينهم من حملات انتخابية متقاربة في قوتها الدعائية وفي حركتها الجماهيرية إلى حد جعل المراقبين غير متأكدين من هو المتوقع فوزه؟
.. وهل كانت المفاجأة في فوز الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الذي يمثل المحافظين على منافسه رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي؟..أم في خسارة موسوي بفارق كبير يزيد على عشرة ملايين صوت؟..
أم في عدم حصول المرشح المحافظ الثاني محسن رضائي قائد الحرس الثوري السابق ولا المرشح الإصلاحي الثاني حتى على مليون صوت من بين 40 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم؟
ولعلي من الذين رأوا المفاجأة الأبرز هي في كثافة المشاركة الشعبية الهائلة على مراكز الانتخابات والتي بلغت نسبتها 85% من حجم الناخبين وعددهم 46 مليون ناخب، وما بدا لنا على شاشات التلفزيون من وقوف الناخبين تحت الحرارة العالية أو تحت المطر الغزير الذي فاجأ الناس، للإدلاء بأصواتهم بصورة حضارية، دونما مشاكل أمنية أو إجرائية، رغم الملاحظات ورغم الفارق بين انتخابات حقيقية وانتخابات شكلية في عالمنا العربي، أو بانتخابات حرة وانتخابات ديمقراطية في الجمهورية الإسلامية.
غير أن هذه الصورة المضيئة التي سبقت إعلان النتيجة تلتها صور غير مضيئة لاضطرابات أمنية، أثارها أنصار المرشحين الخاسرين، لم يكن لها ما يسوغها بالمعايير الديمقراطية والقانونية، فللمرشحين وفقا للقانون التقدم بطعونهم الموثقة عما يرونه خروقات لمدة أسبوع قبل اعتمادها من لجنة صيانة الدستور، وإن كان لهذه الاضطرابات ما يفسرها بالمفاجأة النفسية الصادمة بعدما استبق المرشح موسوي وأعلن فوزه «الأكيد» قبل إعلان النتائج في جو عبأته الدعاية الداخلية، والدعائية الخارجية!!
وهذا لا يعني أن فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية على عكس معظم التوقعات وبعض التمنيات الخارجية في هذه الانتخابات لم يمثل نوعا من المفاجأة التي تحفل بها الانتخابات الإيرانية على مدى ثلاثين عاما، لكنها كانت المفاجأة الأقل من مفاجأة فوز نجاد على منافسه السياسي المحافظ الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني في الانتخابات الرئاسية السابقة 2005، علي أنه سبق ذلك مفاجأة أبرز بفوز المرشح الإصلاحي الرئيس السابق محمد خاتمي على المرشح المحافظ المنافس الثقيل الوزن.
ورغم رهان المراهنين خصوصا في تل أبيب وواشنطن على التغيير بفوز التيار الإصلاحي وخصوصا موسوي الذي يبدو مبشرا بالتقارب مع الغرب أو بتفكيك النظام الإيراني، فمن المهم أن نتذكر أن موسوي هو من قلب الثورة والنظام وليس خارجه.
بل كان رئيس وزراء الخميني قائد الثورة، وأن المرشحين السابقين الذين ترشحو مثل «شامخاني ولاريجاني ورافسنجاني وخاتمي» ترشحوا من قلب النظام، وحين خسروا استوعبهم نفس النظام، فأصبح الأول وزيرا للدفاع والثاني رئيسا لمجلس الشورى والثالث رئيسا لمجلس الخبراء.
وخلافا للظواهر المؤقتة، فالثابت فيما مضى يؤشر لما هو آت، من وحدة النظام الإيراني المتعدد المؤسسات التي تراقب وتوازن بعضها بعضا، لأن من يوجه السياسة الخارجية هو المرشد العام للثورة «القائد الأعلى»، وليست مؤسسة الرئاسة.. ولهذا فسواء كان الفائز هو الإصلاحي موسوي أو المحافظ أحمدي، فسيبقى النظام الإيراني موحدا والسياسة الإيرانية الخارجية باقية دون تغيير رغم القلق الإسرائيلي والانزعاج الأميركي!