لا يختلف مراقبان اثنان على أن صورة الولايات المتحدة في الخارج هي من النوع الذي لا تُحسد عليه. الأسباب كثيرة من التاريخية منها إلى الثقافية والسياسية والاقتصادية. تاريخياً فالولايات المتحدة هي صاحبة أكبر سجل في انتهاكات القانون الدولي وحقوق الإنسان والشعوب والمساعدة في قمع حركات التحرر والثورات والانتفاضات الشعبية.
ثقافياً تتبع الولايات المتحدة النظام الرأسمالي والسوق الحر. ذلك ما يجعلها في قمة لائحة الدول التي تستغل الآخرين لضعفهم ولا تراعي في رعاية شؤونهم إلاً ولا ذمةً.سياسياً فالإدارات الأميركية المتعاقبة معروفة بدعمها لأنظمة سياسية فردية دكتاتورية أذاقت شعوبها الويلات وألحقت بها الكوارث على مدى عقود وعهود. اقتصادياً نهبت الولايات المتحدة خيرات العالم بحجج ومبررات من مثل أخذ امتيازات التنقيب والاستخراج والتصنيع والتعدين والاحتفاظ بحقوق الملكية الفكرية.
سياسياً ثمة جزئياً في البداية تجلت معاناة الشعوب عبر العالم إبان الحرب الباردة بين الشرق والغرب. ناصرت الولايات المتحدة الأقليات ضد الأغلبية لا لشيء إلا خدمةً لمصالح أميركا ولتمرير سياستها الخارجية المتسمة بالانحياز والتحيز السافرين. معظم أصقاع آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وحتى أوروبا، مرت بظروف صعبة بل حرجة نتيجةً للسياسة الخارجية الأميركية غير المتزنة اتجاهها.
الملايين قضوا هنا وهناك نتيجة عمليات قمع على نطاق واسع بإيعاز أو تدخل مباشر من جهة الإدارات الأميركية. حالات من المجاعة وضعف حاد في الاقتصاد واجهتها شعوب عريضة نتيجةً لفرض حصار عليها بهذا الشكل أو ذاك، لسبب أو مبرر ولآخر. باتت لدى شعوب العالم الثالث خاصةً نزعة طبيعية وهوى تلقائي لإعلان نضال أو كفاح ضد السياسة الأميركية جملةً وتفصيلاً.
الخارجية الأميركية هي صاحبة أكثر النظريات السياسية شؤماً وتعساً ألا وهي نظرية المعايير المزدوجة وسياسة الكيل بمكيالين في الشرق الأوسط. يحكم السياسة الخارجية الأميركية لوبي صهيوني يجعل وجه أميركا من الشؤم والقبح بمكان.
بسبب سياسة الولايات المتحدة الخارجية وربطها بالنزوات الصهيونية هنالك أكثر من ستة ملايين فلسطيني بلا وطن. هؤلاء تُمارس عليهم محرقة «نازيو ـ صهيونية» متواصلة بدأت منذ ما يربو على ستين عاماً. يتأثر بالفلسطينيين في معاناتهم اليومية وعلى مدى عقود ما يربو على المليار مسلم. أكثر من مليارين آخرين عبر العالم يتعاطفون ويعانون حسياً إنسانياً مع الشعب الفلسطيني في كفاحه المرير لاستعادة حقوقه.
توّجت الإدارة الأميركية سياسة خلق الكره اتجاهها حين أقدمت على غزو مناطق واسعة في العالم الإسلامي. حدث ذلك بمبرر واه قانونياً وسياسياً ومنطقياً عقلانياً وإنسانياً. المبرر هو الانتقام لهجمات 11 سبتمبر 2001 المثيرة للجدل. بالرغم من أن تلك الهجمات لم تثبت صحة المزاعم بشأنها لا علمياً ولا قانونياً إلا أن الإدارة الأميركية وجهت أصابع الاتهام إلى كل العالم الإسلامي.
فيما يُعرف ب«الحرب على الإرهاب» تولى الإدارة الأميركية من هو كفيل بجعل سمعتها تلامس الحضيض لعقود وعهود طويلة إلى الأمام، جورج بوش. تكلف «الحرب على الإرهاب» الولايات المتحدة كثيراً من النواحي النفسية والمعنوية والسياسية والأخلاقية، إضافة إلى المادية والعسكرية. مثلاً فالسجون العلنية والسرية كفيلة بملء ملفات جماعات حقوق الإنسان بانتهاكات حتى إشعار آخر. المتتبع لسير السياسة الأميركية يكاد لا يرى فيها ما يبهج نفس أحد.
سياسة غير منضبطة وتعتمد على استباحة حقوق الآخرين والاستهانة بمصائرهم ومقدراتهم وذكاء عقولهم. أخيراً توسعت الإدارة الأميركية في إحداث فتن طائفية وعرقية أينما وجدت ذلك مناسباً. حالياً فالتركيز الرئيسي موجه ضد العالم الإسلامي. حتى باكستان الدولة الحليفة التقليدية لم تسلم من ذلك الاستهداف. هذا إضافةً إلى المواقع التقليدية في العالم العربي مثل لبنان والعراق والسودان ومناطق أخرى.
مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمشردين واللاجئين والنازحين يقعون نتيجةً للسياسة الأميركية الهوجاء. سياسة تفتقر إلى الحد الأدنى من العقلانية والتعقل والحرص على سلامة ومصالح الآخرين.
مما سبق فإن الديمقراطية الأميركية وجدت أن لا بد من اللجوء إلى القيام بعمل ما. يتلخص هذا العمل بتولي رئاسة الإدارة فيها شخص من أصول أفريقية مهاجرة يدعى «باراك حسين أوباما» يمتلك مزيجاً عرقياً وإثنياً دينياً فريداً من نوعه.
هذا إضافة إلى كون أوباما يمتلك عقلية فذة في مجال القانون والسياسة والعلاقات العامة. ذلك ما يرشحه لأن يكون ذا كفاءة قصوى لتحقيق أهداف ذات ميزة قوية في العلاقات العامة وسياسة تلميع الوجوه وربما مسح شيء من ذاكرة الشعوب.
الإدارة الأميركية عن طريق رئيسها أوباما تعرف كيف تساق الإبل وتؤكل الأكتاف. في «خطبة أوباما» التي أعلنها من قلب العالمين العربي والإسلامي خاطب كتلةً ضخمةً من المسلمين قد تصل بسهولة إلى مئات الملايين في التعداد.
على الأقل فإن ذلك يخلق «خلخلة» في الجبهة الداخلية للرأي العام للشعوب الإسلامية التي ذاقت الويلات من جراء السياسة الخارجية الأميركية.
على أرض الواقع لا تبشر الأمور بكثير من الخير. الواقع الإجرامي الذي فرضته إسرائيل في المناطق المحتلة بالغ الدقة والحرج. انتهاكات حقوق الإنسان المزمنة من قبل إسرائيل بدعم ورضا الولايات المتحدة تجعل المرء يسخر من أساليب العلاقات العامة الأميركية المعتمدة على الضحك على اللحى والذقون. بالنسبة لأفغانستان والعراق والسودان وإيران وبقية الدول العربية والإسلامية فالأمور موغلة في الحرج. ا
لسبب هو السياسة الأميركية المتواصلة والتي يُعتقد أنه من «المخجل» لأوباما التطرق إليها ومعالجتها في حضرة عتاة تطبيق السياسة الأميركية الخارجية التقليديين. بعبارة أخرى على السيد أوباما أن يوفق بين موقف أميركي إمبريالي تقليدي أصيل متأصل وبين طموحات قد لا تكون أكثر من شخصية فردية على شكل أحلام مثالية.
بالمقابل من يعرف؟! فالتاريخ لا يسير في نهجه بخط مستقيم أو ثابت. لا أحد يقدر على الجزم بإمكانية فشل أو نجاح أوباما، جزئياً أو كلياً. ثمة هنالك تفاؤل عام بعهد أوباما الذي يبدو مغايراً لعهد بوش والرؤساء السابقين.
الولايات المتحدة اليوم تختلف كثيراً عن السابق. هنالك بروز وصعود لأقليات كانت بالأمس القريب في حكم الغائبة تماماً. أميركا حقيقةً خليط من شعوب وأعراق ومذاهب وأديان وألوان.
أكثر من أي وقت مضى فإنه لا يليق بأميركا الاستمرار بنهج إمبريالي بائد كان يرسمه لها على الدوام رجل أبيض أنجلو-سكسوني ذو مذهب بروتستانتي.
جامعة الإمارات