بعد أن شهدت السنوات الأخيرة تغيرات جذرية في السياسة الخارجية الليبية، لجهة «التكيف التدريجي» مع النظام الدولي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الأميركية بأقل ما يمكن من التصادم، وبعد أن شهدت أيضا العديد من المتغيرات الجديدة النابعة من البيئة الليبية والأوروبية، تؤشر الزيارة التي قام بها الزعيم الليبي معمر القذافي لروما الأسبوع الماضي على مسألة أساسية، نيته تكريس طي صفحة الاستعمار، ولاسيما أنه اصطحب معه نجل قائد الثورة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي عمر المختار الذي أسره الإيطاليون وأعدموه شنقا في عام 1931.

وتأتي هذه الزيارة لتضع حداً لأربعين سنة من العلاقات الصعبة بين ليبيا وإيطاليا، الدولة التي استعمرت هذا البلد العربي من عام 1911 ولغاية 1943، إذ يقدر المؤرخون عدد الليبيين الذين قتلوا من قبل إيطاليا بنحو 20000 وإلى أكثر من 100000 ليبي تم نفيهم في صحراء سرت، حيث لقي 40000 حتفهم من جراء تفشي الأمراض المعدية والإعدامات.

كما أن هذه الزيارة تجسد التحول الذي شهدته العلاقات الليبية ؟الإيطالية، منذ أن تم التوقيع في طرابلس سبتمبر 2008 على معاهدة «الصداقة والتحالف» بين رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني والزعيم الليبي معمر القذافي، والتي اعتبرتها ليبيا ب«التاريخية» لأنها بموجبها قدمت إيطاليا لليبيا اعتذارا عن الفترة الاستعمارية.

ومع الاعتذار الإيطالي هذا وقع الزعيم الليبي معمر القذافي ورئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني «اتفاقية تعاون وشراكة وصداقة» في مدينة بنغازي شرق العاصمة طرابلس، أغسطس 2008، تقدم روما بموجبها خمسة مليارات دولار تعويضا عن الحقبة الاستعمارية، تشمل استثمارات بمبلغ 200 مليون دولار سنويا لمدة 25 عاما.وبالمقابل تستهدف إيطاليا من وراء هذا الاعتذار والتعويضات لليبيين «الحد من الهجرة غير الشرعية» التي تنطلق من السواحل الليبية، إضافة إلى الحصول على كمية اكبر من الغاز والنفط الليبيين.

ولما كانت بلدان أوروبا الجنوبية، وتحديداً إيطاليا، تعاني منذ سنوات من تدفق هائل من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من السواحل الليبية، فقد تعهدت إيطاليا ومعها البلدان الأوروبية الجنوبية بتزويد ليبيا بالمعدات الضرورية للقيام بمكافحة الهجرة غير الشرعية، من طائرات هيلكوبتر، وزوارق سريعة، خاصة تلك التي تسمح لها بمراقبة تدفق المهاجرين. ويعتبر الاتحاد الأوروبي أن التعاون مع ليبيا بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية هو «جوهري وملح» ويدعو طرابلس إلى القيام ب«عمل فعلي» ضدها.

في الخطاب الذي ألقاه الزعيم الليبي أمام مجلس الشيوخ الإيطالي الخميس11 يونيو الجاري وسط مقاطعة عدد من المحتجين على زيارته لإيطاليا، خصص جزءا كبيراً منه لقضية الهجرة التي تشكل موضوعا ساخنا، منذ أن وافقت ليبيا على استعادة المهاجرين الذين تنقذهم إيطاليا في البحر. وأشار القذافي إلى أن مبلغ مليار دولار الذي يمنحه الاتحاد الأوروبي لليبيا لاحتواء الهجرة غير كافٍ، موضحاً أن «عدة مليارات من اليورو ضرورية لوقف تدفق المهاجرين إلى البحر الأبيض المتوسط»، ومؤكداً أن ليبيا وإيطاليا«لا يمكنهما معالجة هذه المشكلة بمفردهما».

ويعتبر المحللون أن زيارة القذافي لإيطاليا تشكل مدخلاً ضرورياً لتطوير العلاقة مع أوروبا. وعلى الرغم من إرادة ليبيا تغيير سياستها، والتصرف بطريقة «مسؤولة»، فإن وزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي يعبرون عن بعض القلق تجاه موقف طرابلس. فهم يذكرون أن تحسين مجال حقوق الإنسان في ليبيا يعتبر «عنصراً جوهرياً» لتطوير علاقتها مع الاتحاد الأوروبي.

غير أن تطوير العلاقات الليبية ؟ الأوروبية نحو الشراكة الكاملة، لا يزال يصطدم بتحديين:

الأول ـ اقتصادي حيث إن ليبيا قامت بخطوات إصلاحية في اقتصادها المركزي ليقترب من الاقتصاد الحر، لكنها لم تكتمل بعد. فلكي تتأهب أوروبا للانغماس في السوق الليبية، وبالتالي تجلب استثماراتها، لا بد على طرابلس من خصخصة القطاع العام بما في ذلك النفط والمصارف.

الثاني ـ يتعلق بالإصلاح السياسي الداخلي، والذي يطرح حاليا في ليبيا، لا سيما أنه لا يمكن لليبيا أن تطور علاقتها مع أوروبا وتنهج سياسة خارجية منفتحة على النظام الرأسمالي العالمي، بينما تظل سياستها أسيرة مرحلة الحرب الباردة.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org