نحن نعيش على جبهات حرب بأسلحة مختلفة، حرب إرهابية تتلوّن وتتحرك في الظلام وتستهدف كل ما بنيناه من إنسان ومنشآت علمية وحضارية، ولا تزال تعمل وفق أدوات تبتكرها من خلال غطاء خفي داخلي وخارجي، وحرب أخرى تجري على مستوى مشابه أي إغراقنا بالمخدرات بواسطة المافيا المنظمة والتي لا نستبعد أنّ خلفها قوى ودولاً وضعتنا على قائمة حروبها السرية، وحرب ثالثة هي التطرف بين متشددين دينيين وآخرين يناهضونهم، ولكن بنفس التشنج، وفي غياب الهدف الأسمى نعوّم القضايا بين مد وجزر كل طرف، وعندما يأتي الحديث عن الأمن الفكري، فأحد اشتراطاته أن من يسعون لتخريب مجتمعنا بالاتجاه لشبابنا من أصحاب الأعمار المراهقة ، والذين تنقصهم المناعة الذاتية، هم الأخطر والأكثر فاعلية..
فطرف يُغري بالمخدرات وفق أساليب لا نجهلها جميعاً، ويصعب تحصين كل فرد يختلط في المدرسة والشارع والأسواق وغيرها بمنحرفين أن لا يدخل لعبة المغريات التي قد تبدأ عبثية وتنتهي للإدمان، ولا يقل الطرف الآخر الذي يُغري بالجهاد وتدمير قواعد الكفر، والذهاب شهيداً للجنة أن لا تكون أهداف هذه العناصر تلتقي، من حيث التخريب، بالفئة الأولى، ومن هنا يجب تحليل الاتجاهات السلوكية والفكرية لهذه الفئة من الشباب لأن التضييق الذي لا يتفق مع التربية الموضوعية بالمطاردة في الشوارع، وعند المدارس، والمقاهي والاستراحات.
وتكفير من يحضر فيلماً أو يسمع أغنية بسيارته، أو تطويل شعره، وملابسه المغايرة للآخرين، لا تقف على هذه المظاهر بأنها تعبير بمبدأ لفت النظر، وعندما تصل إلى التحدي، تأخذ شكل الظاهرة، وهو أمر طبيعي تشهده كل العصور والأمم، حتى إن رجالات الأمن في البلدان المتقدمة تعطي تعليماتها بتجنب مخاطر هذه الفئات بالاستفزاز أو العناد، أو الهجوم غير المحسوب النتائج..
وعندما نتحدث عن نمو سكاني هائل فئته الأولى العنصر الشاب من الجنسين فإننا لا نجد الدراسات الاجتماعية التي ترصد حركة المجتمع وتطوراته السلبية والإيجابية حتى إن مراكز البحث في الجامعات ووزارة الشؤون الاجتماعية، والتي تقاس عليها النتائج في أي توجه عام، لا نجدها متوفرة أو تحظى باهتمام واضح، والتجاهل قد يأتي من أن تعليمنا لا يزال تقليدياً أي أن الدراسات لأي اتجاه اجتماعي أو سياسي، واقتصادي، وتربوي لا تصل إلى ما يعتبر ضرورياً يقوم عليه صنع القرارات والاستراتيجيات طويلة المدى أو القصيرة والمتوسطة..
فمصادر المخدرات، وكذلك تهريب الأسلحة، وحتى الأفكار غالباً ما تكون خارجية، ومن غير الممكن أن نضع المسؤولية فقط على الأجهزة الأمنية التي قامت بأدوار فاعلة ورائعة، ولكن بإيصال المواطن إلى الوعي بمخاطر مصادر تلك الأسلحة واستهدافه وهذا لا يتأتى بالتلقين أو نشرات عامة، وبعض ما تسوّقه وسائل الإعلام المقروء والمشاهد والمسموع، وإنما برفع كفاءة الفرد ثقافياً، والمؤلم أن هذه القيمة بنشر الكتاب والمعلومة والمجلات بأسعار معقولة ، والعمل على تطوير المكتبات المدرسية والأحياء، تظل غائبة أو مغيّبة حتى إن بعض المتشددين يجد في الكتاب ما يعتبره وباءً لا يقل عن أي مرض أو مخدر..
