انه استحضار عبثي لخريطة الطريق وراءه ما وراءه من اجندات استراتيجية خبيثة، ولكن بالتأكيد لا تقف وراءه على سبيل المثال قولة واحدة واضحة حاسمة: ان كفى للاستيطان والاحتلال، ارحلوا عن الاراضي المحتلة...!

ففجأة في ظل العهد الأميركي الجديد باتت جميع الاطراف المعنية تتسابق على استحضار خريطة الطريق باعتبارها الطريق المتاح فقط لفتح عملية المفاوضات العقيمة مجددا، وكأنها بمثابة الفورمالين لتهدئة الاعصاب والخواطر، اما عن السنوات الست الضائعة منذ ان انطلقت تلك الخريطة فلا احد معني بالحديث...!.

الرئيس الأميركي اوباما يدعو مكررا ذلك في كل مناسبة الى انشاء دولة فلسطينية، مطالبا «إسرائيل» بوقف الاستيطان في الاراضي الفلسطينية وبتنفيذ الالتزامات المترتبة عليها، داعيا الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إلى تنفيذ «التزامات بموجب خريطة الطريق»، ولكن يعود الرئيس الأميركي ليبدي تفهما لصعوبة قيام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها بموجب خريطة الطريق، وخاصة فيما يتصل بوقف البناء في المستوطنات، وفي المقابل يطالب الفلسطينيين بوقف مقاومة الاحتلال، ما أسماه العنف، قول وعملا.

وإسرائيليا ـ تتحدث المصادر الاعلامية الإسرائيلية عن أن حكومة نتانياهو تجرى مراجعة سياسية دقيقة، يتم فيها إعادة تقييم كافة النواحى السياسية، من خريطة الطريق إلى عملية أنابوليس، فيما يؤكد المحلل بن كسبيت في معاريف، ان وزير الخارجية ليبرمان ومعه وزير الحرب باراك ينكبان الآن على مشروع مشترك: اقناع نتانياهو على اعادة تبني خريطة الطريق، ويتحدثان عن اعادة اقرار خريطة الطريق من جديد، بالتصويت.

اما لماذا يفعلان ذلك...؟، فمزايا خريطة الطريق وفق رايهما كثيرة ومتنوعة: فهي تتضمن في داخلها رفضا مطلقا لحق العودة، وهي تتضمن الاتفاقات بين حكومة شارون وادارة بوش حول الموافقة الأميركية على مواصلة البناء داخل الكتل الاستيطانية الكبرى، وهي تتضمن رسائل الرئيس بوش التي تؤكد الاعتراف الأميركي بـ «التغييرات على الارض»، كل هذه، كما يقول باراك وليبرمان هي انجازات إسرائيلية ذات مغزى استمرار الوضع القائم ببساطة يضيعها. لماذا نتخلى عنها، يسآلان.

المحلل الإسرائيلي المعروف عكيفا الدار كتب في هآرتس يقول عن رأي شارون في خريطة الطريق كما جاء على لسان مستشاره دوف فايسغلاس: «اريك كان يفضل ان تستطيل المرحلة الاولى من خريطة الطريق لثلاث سنوات، وان تمتد الفترة الثانية لخمس سنوات، بينما الثالثة لست سنوات، وبما ان خريطة الطريق تتحدث عن انها تقوم على التنفيذ وليس على المواعيد المقدسة، فقد كان بامكانه-اي شارون ـ ان يقبل بذلك، وبالفعل «محك التنفيذ» الذي يسري فقط على الفلسطينيين وحدهم حول الموعد المحلل لحل الدولتين الى مهزلة.

ولا يتأخر جلعاد شارون (نجل رئيس الوزراء السابق اريئيل شارون) عن الآخرين فيتقدم ليدلي هو الآخر بدلوه في مقال له في يديعوت ناصحا نتانياهو: بدل الجدل الفارغ يحسن أن نشتغل بالجوهر، تستطيع؟ ان تقول: قد يكون من الممكن في المستقبل التوصل الى دولة فلسطينية منزوعة السلاح، لكن طريق ذلك خريطة الطريق فقط مع التحفظات الـ 14 التي استقر رأي الحكومة عليها، قف على ذلك بحزم.

مضيفا: لا انتقال الى المرحلة الآتية حتى يتم الفلسطينيون المرحلة الاولى، فالتقدم مشروط بالتنفيذ.. وكان أقطاب كاديما أولمرت وليفني وغيرهما قد اعلنوا مرارا أن خريطة الطريق هي الأساس والإطار لأي عملية سياسية في الشرق الأوسط، فسبحان مغير الاحوال والسياسات هكذا بين عشية وضحاها..فبعد ان شبعت خريطة الطريق موتا يعودون الينها مجددا في عملية انتاج متجددة وراءها ما وراءها.. ولذلك نجدد الأسئلة والتساؤلات: على من يا ترى يبيعون هذه البضاعة الفاسدة المجربة مرة اخرى ؟هل بتنا اليوم حقا على اعتاب فرصة تاريخية اسمها خريطة الطريق..؟، وهل نحن على اعتاب مصالحة تاريخية تنتهي بانهاء حلم «أرض إسرائيل الكبرى» لصالح الحلم الفلسطيني التاريخي باقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها المدينة المقدسة؟، ثم إلى أي مدى حقا ستذهب الادارة الأميركية في هذا الاتجاه..؟، والى أي مدى ستذهب «إسرائيل» ـ في هذا الاتجاه..؟، وهل تحمل خريطة الطريق يا ترى حلولا جذرية سحرية للقضايا والحقوق الجوهرية والاستراتيجية المعلقة مع وقف التنفيذ...؟، أم أن كل القصة من بداياتها الى نهاياتها عبارة عن عملية خداع ونصب سياسي.. وان هناك عمليا خرائط اخرى خبيثة مبيتة ملغمة مسمومة بانتظارنا..؟!

الاعمدة الاستراتيجية لحكومة نتانياهو اليمين واضحة مقروءة تماما، فهي ليست مع خريطة الطريق او مع اي تسوية مع الفلسطينيين على الاطلاق، وهي ليست ولن تكون مع اي تسوية تعني انسحابا او تفكيكا للمستعمرات حتى ما يسمونها غير الشرعية، وليست مع اي سلطة فلسطينية حقيقية، وان كانوا يتبنون اليوم الدولة المؤقتة كما اعلن رئيس إسرائيل بيريز، وخريطة الطريق فإنما يفعلون ذلك هروبا من امكانية اي التزام بأي حل يطالبهم بانهاء الاستيطان والانسحاب وبالدولة...!

يجمعون اليوم بعد نحو ست سنوات على اطلاقها، وعلى نحو غريب عجيب على ان «خريطة الطريق» تشكل الفرصة التاريخية للحل، علما بأن شارون نفسه كان أعلن في عهده قائلا: «إن رؤية بوش ـ الخريطة ـ هي من افكاري انا عرضتها عليه في اخر لقاء بيننا وتوصلنا الى تفاهم حولها، ولن اهدر اي فرصة للتسوية على اساسها».

فطالما ان هذه «الرؤية ـ الخريطة» هي بمنتهى الوضوح شارونية بالاصل، وطالما انها فرصة تاريخية لهم، وطالما انها لا تحمل في احشائها رحيلا شاملا لجيش ومستعمري الاحتلال عن نهر الاردن وعن كامل الاراضي المحتلة، وطالما انها لا تقدم استقلالا فلسطينيا سياديا حقيقيا مقنعا، اذن يمكن ان نثبت بثقة انها ـ اي الرؤية / الخريطة ـ سوف تصطدم بحقول من الالغام من الوزن الثقيل، وان مصيرها سيكون كسابقاتها الى مزبلة المفاوضات مهما بلغت مساحة الضغوطات الممارسة.

ولسوف تعود الأمور كالعادة إلى المربع الأول ليبدأ الجميع محطة ثانية وثالثة و...الخ، بينما تواصل دولة الاحتلال خلال ذلك بناء المزيد والمزيد من حقائق الامر الواقع التي تبتلع الضفة بالكامل...!.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com