(إنني أتطلع إلى يوم قريب آتٍ حتى أرى كل مواطن من مواطني دولتنا الحبيبة وقد استقر مع أسرته في منزل مناسب، وهذا ما أسعى إليه وآمل أن يتحقق برعاية ودعم من صاحب السمو الأخ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، والذي بتوجيهات سموه ومتابعته لشؤون وقضايا الوطن والمواطن تحقق لهذا الوطن وشعبه الاستقرار المعيشي والحرية والكرامة الوطنية الشامخة).
بهذه الكلمات استهل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي جولته في منطقة (عود المطينة) لتفقد مساكن الشباب المواطن التي تنجزها مؤسسة محمد بن راشد للإسكان لتوفيرها لأكبر عدد من المحتاجين للسكن في إمارة دبي، ووجه سموه بضرورة تسريع وإنجاز المساكن اللازمة، وأمر بتخصيص أرض سكنية للمواطنين الشباب في منطقة (المرموم) ودراسة إمكانية إقامة مشاريع سكنية جديدة للشباب في مناطق مختلفة من الإمارة، وإعفاء الشباب المواطنين الحاصلين على قروض سكنية من المؤسسة من الرسوم الإدارية مساهمة من سموه في التخفيف عن كاهل الشباب المستفيدين من هذه القروض طويلة الأجل.
هذه التوجيهات والتصريحات كلها تصب في اتجاه توفير الاستقرار الأسري والنفسي للمواطنين من خلال توفير المسكن المناسب لهم، إذ لا يختلف اثنان على أن المسكن هو العامل الأول في الشعور بالأمان لأنه المكان الذي يلتئم فيه شمل الأسرة، ودون توفير هذا المسكن تتحمل الأسرة أعباء مالية لا طاقة لها بها، علاوة على انعدام الشعور بالاستقرار والأمان، لذلك حرصت الدولة منذ قيامها.
كما حرصت بعض الحكومات المحلية، على إيلاء هذا الأمر حقه من الاهتمام، فكانت مشاريع المساكن الشعبية التي أدت في مرحلة البدايات الغرض منها وكانت مناسبة لمرحلة التأسيس التي تعيشها الدولة قبل أكثر من ثلاثة عقود، لكن ظروف الحياة تغيرت مع نمو المجتمع وارتفاع مستوى الدخل والتعليم، والانفتاح على المجتمعات الأخرى.
الأمر الذي جعل تلك المساكن الشعبية لا تلبي طموحات وحاجة الجيل الثاني من أبناء الدولة، ولا تتفق مع التطور العمراني الذي شهدته البلاد على مدى العقود الثلاثة التي اعتُبِرت مرحلة التأسيس والبناء، لذلك جاء إنشاء (برنامج الشيخ زايد للإسكان) عام 1999 متوافقاً مع هذه النقلة الحضارية والعمرانية ومتفقاً مع التوجه الجديد، فصدر القانون الاتحادي رقم (10) لعام 1999 محدداً أهداف البرنامج في بناء المساكن ومنح المساعدات المالية للمواطنين الذين تقل متوسط دخولهم عن 10 آلاف درهم شهرياً، وتقديم قروض دون فائدة في حدود 500 ألف درهم للمواطنين الذين تسمح مواردهم المالية بتسديد قيمة القرض خلال أجل أقصاه 25 عاماً.
كان الغرض من البرنامج هو الإسهام في تلبية الاحتياجات السكانية وقت تأسيسه والمتوقعة في المستقبل لجميع الشرائح الاجتماعية من المواطنين بالمستوى اللائق والسرعة المطلوبة، وقد استطاع أن يلبي حاجة عدد كبير من أبناء الإمارات، لكن النمو السكاني الذي كان يتزايد بشكل كبير أدى لظهور الحاجة إلى بعض البرامج الأخرى لتخفيف العبء على (برنامج الشيخ زايد) رغم أنه كانت هناك برامج سبق بعضها (برنامج الشيخ زايد) من حيث الظهور، مثل (مشروع الشيخ خليفة للإسكان) أو ما يعرف على نطاق شعبي باسم (لجنة الشيخ خليفة) الذي أسس عام 1979 إثر تعرض الدولة لهزة مصرفية جراء الفوائد البنكية الباهظة التي كانت البنوك تتقاضاها على القروض التي تقدمها للمواطنين لبناء مساكن لهم أو لبناء مشروعات إسكان استثمارية، وقد أدى المشروع إلى قيام نهضة عمرانية واسعة في إمارة أبوظبي.
وفي أوائل شهر أكتوبر من عام 2006 أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بصفته حاكماً لإمارة دبي قانوناً يقضي بإنشاء (مؤسسة محمد بن راشد للإسكان) مساهمة من سموه في توفير السكن الملائم لمواطني إمارة دبي، وذلك بتقديم كل الخدمات المتعلقة بإسكان المواطنين تحت مظلة واحدة من خلال البدائل المتعددة من منح الأراضي السكنية والمساكن الحكومية والمساكن الجاهزة، وصيانة وتوسعة القائم من المساكن، ومنح قروض الإسكان وفق السياسات والمعايير المعتمدة، مع إسهامها في تنشيط الاقتصاد الوطني من خلال تنفيذ مشاريع استثمارية وتفعيل الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص والعام.
هذه الأهداف التي قامت هذه المؤسسات والبرامج من أجلها تعبر عن وجهين لقضية الإسكان في الإمارات: الوجه الأول هو أن هذه القضية من القضايا الحيوية التي شغلت وستظل تشغل المواطنين لأنها قضية تتعلق بمستقبل الأجيال واستقرارها وارتباطها بهذه الأرض، فالوطن هو المسكن الكبير الذي يضم كل أبناء الوطن، والمسكن هو الوطن الصغير الذي يحقق للمواطن الشعور بالأمان والاستقرار. أما الوجه الثاني فهو أن الحكومة تدرك أن قضية الإسكان قضية حيوية تشغل المواطنين وتشكل همّاً لا يمكن إزاحته عنهم إلا بتوفير السكن المناسب لكل واحد منهم، ولذلك فهي تنشط في هذا المجال وتخصص له الميزانيات المطلوبة تبعاً لظروف كل إمارة.
في شأن الإسكان هناك بعض القضايا العالقة التي نعتقد أن بإمكان هذه البرامج الإسكانية حلها بالشكل المناسب بعد دراستها بعناية وموضوعية، من هذه القضايا مثلاً أحقية مواطني بعض الإمارات في الحصول على أراض وقروض أو مساكن في الإمارات التي يقيمون فيها وليس شرطاً أن تكون جوازات سفرهم صادرة منها، وذلك وفق أطر وشروط يمكن وضعها بعد دراسة هذا الأمر من كل جوانبه انطلاقاً من أننا دولة واحدة لا تمايز أو فروق بين مواطنيها، ومثل الحالات المستفيدة من المبالغ السنوية التي يدفعها لها ديوان سمو الحاكم بدبي لاستئجار مساكن وتستحق الحصول على قروض من (مؤسسة محمد بن راشد للإسكان) لكنها عاجزة عن الاستدانة من البنوك في الوقت الذي ترفض فيه المؤسسة استلام المبالغ التي يدفعها الديوان (ولا تقل قيمة الواحد منها عن 50 ألف درهم سنوياً) مع أن القسط الخاص بالمؤسسة لا يتجاوز 37 ألف درهم سنوياً.
مثل هذه القضايا في اعتقادنا لا تقلل من الخدمات التي تقدمها برامج الإسكان في الدولة والحكومات المحلية، لكن حلها سيعزز من الدور الذي تقوم به لتحقيق الاستقرار للمواطن، ولا نعتقد أن إدارات هذه البرامج عاجزة عن حل هذه القضايا، شريطة توفر النيات الصادقة والجادة التي لا نظن أنها تنقص القائمين على هذه البرامج.
كاتب إماراتي