شهر يونيو الذي يأتي في بداية الصيف الحار هو أيضاً شهر حار وحافل بالأحداث، الحارة في مرارتها الباعثة على الألم، والحارة في فرحتها الدافعة للأمل معاً، بليالي انكساراته وصباحات انتصاراته، لكن المثير للأمل فيه أكثر أن ليله دائماً كان بشير صبحه، وأن آلام انكساراته كانت هي الحافز الأكبر لتحقيق آمال انتصاراته، وكلما وقعت هزيمة تلاها الانتصار، وكلما اشتد الظلام في ليل هذه الأمة كان ذلك بشيراً باقتراب الفجر.
في الخامس من يونيو عام 67 وما واجهه العرب فيه من هزيمة عسكرية كان ذروة المرارة العربية الحارة في تاريخنا الحديث، بعدما وقعت فيه أراض عزيزة من ثلاث دول عربية هي سيناء المصرية وغزة والضفة الفلسطينية والجولان السوري تحت الاحتلال الصهيوني نتيجة العدوان الإسرائيلي من أرض فلسطين في الشرق والغطاء الجوي الأميركي من الغرب.
لكن التاسع والعاشر من يونيو كان يوم الحرارة الشعبية برفض الهزيمة وحشد إرادة الانتصار حينما خرج الشعب العربي في مصر وفي الوطن العربي يرفض الاستسلام ويصر على القتال، ويتمسك باستمرار قيادة جمال عبدالناصر بعدما تحمل بشجاعة الرجال مسؤوليته وأعلن استقالته، بل خرج هذا الشعب يعلي إرادته بمواصلة النضال لتحرير الأرض المحتلة وإزالة آثار العدوان، عن يقين بأن الحرية هي القاعدة والاحتلال هو الاستثناء في تاريخ الشعوب.
وفي الحادي عشر من يونيو بعدها بسنوات وبينما كانت حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية تنزل بالعدو ضربات ثأرية مؤثرة، كان رد فعل الهزيمة العربية في المشرق العربي هو تحقيق انتصار عربي في المغرب العربي، حينما تفجرت ثورة الفاتح من سبتمبر الليبية عام 69 كرد على عدوان 67، وذلك بطرد قواعد العدوان الاستعمارية من الأرض الليبية التي شكلت غطاءً جوياً لعدوان 67 في إشارة رمزية عربية لا تغيب دلالتها ولتضع هذه القواعد في خدمة المجهود الحربي العربي وتتويجاً لذلك جاء العاشر من رمضان يوماً حاراً من أيام الانتصار العربي وإيقاع الهزيمة العسكرية بالجيش الصهيوني (الذي لا يقهر) على ضفاف قناة السويس.
الأمر الذي قاد إلى استعادة سيناء للسيادة المصرية بالوسائل السياسية، وإعادة افتتاح قناة السويس كثمرة للانتصار العسكري في نفس يوم الهزيمة في الخامس من يونيو عام 74. وفى ظلال الذكرى الثانية والأربعين لهزيمة يونيو 67 بعد أن تجاوزها الشعب العربي المصري تستقبل القاهرة العربية رئيس الولايات المتحدة الأميركية في رسالة سلام واحترام للعالم الإسلامي بعد فشل سياسة العدوان والحروب والاحتلال في العراق وأفغانستان فيما يشبه الاعتذار عن أخطاء السياسة الأميركية المنحازة لإسرائيل ضد العرب والمسلمين بينما يحتفل الشعب العربي الليبي بالذكرى التاسعة والثلاثين لطرد القواعد العسكرية الاستعمارية الأنجلوأميركية.
بعد أن تلقى اعتذار المستعمر الإيطالي القديم عن الماضي الفاشي الاستعماري ضد ليبيا. وفي اليوم نفسه تستقبل روما بحفاوة كبيرة الزعيم الليبي معمر القذافي في زيارته التاريخية الأولى لإيطاليا وفي صحبته نجل شيخ المجاهدين العرب ضد الاستعمار الإيطالي الشهيد عمر المختار وأبناء وأحفاد المجاهدين الشهداء في دلالة ذات مغزى عميق يؤكد حتمية زوال بقايا الاستعمار الصهيوني في فلسطين، بعدما زال الاستعمار الفرنسي من الجزائر بعد 132 عاماً، في مشهد مثير يكاد يعيد صياغة التاريخ، بينما العرب والمسلمون مازالوا في قلب المعركة لإزالة آثار عدوان يونيو 67 وإنهاء ليل الاحتلال الطويل الصهيوني لفلسطين والأميركي للعراق وأفغانستان.