ما الذي يعنيه الخطاب الذي ألقاه مؤخراً الرئيس الأميركي باراك أوباما من على منبر جامعة القاهرة؟
ولا أعني في هذا السياق التوقف أمام الأفكار الجزئية للخطاب وإن كانت الدعوات التي وجهت إلى التعقيب عليه على شاشات الفضائيات كانت تشير إلى اهتمام حقيقي بـ «دلالة» الخطاب يتجاوز بكثير الاهتمام بـ «محتوى» الخطاب، وبخاصة أن هذا الاهتمام سبق معرفة هذا المحتوى!
وخطاب باراك أوباما في تقديري جزء من تحول كبير في العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي بدأت في حلف الناتو قبل مؤسساته الدبلوماسية، فهذا الحلف أثبتت التجربة أنه تجاوز دوره التقليدي كتجمع عسكري ليكون أقرب إلى ساحة اختبار لتحالفات مستقبلية، وبينها تحالف إسلامي غربي محتمل، والآن تنتقل التجربة من الناتو إلى الإدارة الأميركية ومؤسستها الدبلوماسية. فالحلف الذي تأسس في إبريل 1949 لمواجهة الخطر السوفييتي انضمت إليه تركيا كأول دولة مسلمة عام 1952 ولم يكن ينظر لهذا الانضمام كتجربة قابلة للتكرار بل كاستثناء سببه التوجهات العلمانية للنظام التركي.
وقبل أن يبلغ الحلف عامه الستين كانت قد انضمت إليه ـ في صمت ـ دولة مسلمة أخرى هي ألبانيا التي انضمت للحلف في إبريل 2008، ليكون انضمامها بالفعل تأكيداً لوجود عمامة على رأس الحلف الذي يقاتل في العراق وأفغانستان ويتهمه خصومه في هاتين الساحتين المشتعلتين بمعاداة الإسلام.
وإذا كانت الدلالات السياسية (التكتيكية) المباشرة لانضمام ألبانيا للناتو مما يمكن الخلاف حوله فإن الدلالات غير المباشرة (الاستراتيجية) ربما تكون مما لا خلاف عليه، فهذه الدولة الصغيرة أول موطئ قدم أميركي في البلقان الذي كان لعقود منطقة نفوذ سوفييتي وفي مرحلة تالية جزءاً رئيسياً من التشكيل الحضاري السلافي الأرثوذكسي الممتد حتى موسكو والمعادي سياسة وثقافة لكل ما هو أميركي.
وقد شهد العام 1952 أول انفتاح لأبواب الحلف أمام دولة مسلمة هي تركيا، وبالتالي لم يعد كما يتوهم البعض «نادياً مسيحياً» مغلقاً وهي الفكرة التي سيطرت فيما بعد على بعض القوى المؤثرة أوروبياً فرفعتها شعاراً لتيار يرفض انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
ورغم الصعود الهائل لخطاب معاداة أميركا في الكثير من دول العالم الإسلامي فإن هناك أكثر من 17 دولة مسلمة لها صورة من صور الشراكة مع حلف الناتو. وهذا التناقض بين «المشاع» الحادة ضد هذه القوة العظمى و«القناعة» الواضحة بالحاجة إليها ليس مقصورة على الإسلامي، فهناك طرفة يتم تداولها في مقر قيادة «الناتو» في بروكسل منذ أكثر من نصف قرن، وهي أن كلمة الـ «NATO» تعني: (The Need for America to Operate) أي الحاجة لأميركا لتقوم بالمهمة!
إن التجاهل المتعمد الذي تقابل به مثل هذه الحقائق في الخطابين الإعلامي والتحليلي العربيين نموذج للمنطق العصبي الذي تعامل به قضية العلاقات مع أميركا، وبينما يتم تداول الكثير من الأرقام عن كراهية المسلمين ـ كل المسلمين ـ لأميركا كشف استطلاع للرأي أعلنت نتائجه في العام الماضي عن أن كراهية أميركا هي في أقل درجاتها في العالم بين مسلمي ألبانيا وكوسوفو!
وإذا كان حلف الناتو قد سبق الإدارة الأميركية في بناء جسور مع العالم الإسلامي فإن هذا قد يعني أنه رأس حربة عسكرية سياسية في آن واحد، ومع كثرة ما يكتب عن الصراع الحتمي بين أميركا والعالم الإسلامي في عالم الأفكار فإن ما يجري في عالم المصالح كان يؤكد أن التلاقي ليس مستحيلاً، وقد حقق الحلف في الوقت نفسه تقريباً نجاحاً آخر له دلالته تمثل في عدة فرنسا للحلف بعد 44 عاماً من الانسحاب من جناحه العسكري، فقد صوت أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) في مارس 2009 لصالح قرار الرئيس نيكولا ساركوزي بعودة فرنسا لقيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) العسكرية، بعد أن كانت انسحبت منها عام 1966.
وقد عادت فرنسا لقيادة الحلف وهي تناضل بقوة لتشييد بناء أوروبي يتمتع باستقلالية عن السياسة الأميركية ما يعني أن النخبة السياسية الفرنسية لم تعد تعتبر التعارض حتمياً بين الهدفين، فضلاً عن أن فرنسا المعروفة تاريخياً باعتدادها الشديد بهويتها وبتكريس «الاختلاف» بينها وبين أميركا لم تعد تبحث عن تحقيق هذا الخلاف عبر القطيعة مع كل ما هو أميركي كما كان الحال قبل ساركوزي.
وخطاب أوباما في جامعة القاهرة مؤخراً، هو من ناحية التوجه العام امتداد لاستراتيجية الحلف الذي نجح في جمع دول غربية من شاطئي الأطلسي ودول أخرى من شرق أوروبا، إلى جانب الدولتين اللتين تقودان مشروع الاتحاد الأوروبي (ألمانيا وفرنسا)، وهو أكد مؤخراً «تعدديته» عبر ضم دولة مسلمة أوروبية هي ألبانيا التي يمكن وصفها بأنها «عمامة» على رأس الحلف!
كاتب مصري
