ما الذي سيحدث بعد حين؟ بعد شهور أو بعد عام أو عامين؟ إذا ما تعلق الأمر بتداعيات الأزمة المالية العالمية فلا تنتظروا جوابا جاهزا ومحددا ودقيقا.

«لا أحد يعرف ماذا يجري في السوق»، سمعت هذا الجواب من مصرفي بحريني كبير قبل شهور وحتى اليوم مازلنا بعيدين عن أن نظفر بجواب. لكن إذا كانت الأزمة المالية العالمية وتداعياتها المتواصلة قد كشفت عن أمر هام، فلقد كشفت عن الحاجة الماسة لدينا هنا للتخطيط المسبق والبحث العلمي وسيلة أساسية لرسم السياسات.

يدلي خبراء اقتصاديون ومؤسسات أبحاث ومعاهد وأكاديميون مرموقون ومدراء كبار بآراء وخلاصات دراسات من حين لآخر. وعلى الرغم من أن تدابير الإنقاذ بدأت منذ فترة سواء في الولايات المتحدة ودول عدة وعلى مستوى العالم أيضا، فإن الغموض مازال سائدا وانعدام القدرة على التكهن لم يحرك شيئا في حالة الترقب التي تسيطر على العالم منذ بواكير الأزمة المالية.

حسنا، أين نحن من هذا كله؟ ما الذي يتعين عمله غير التدابير الاحترازية وتقليل النفقات وضغط الإنفاق؟ تعيدني هذه الأسئلة إلى معضلة قديمة لدينا في دول الخليج: «البحث العلمي والتخطيط»، لهذه الجملة تنويعات أخرى: رسم السياسات.

حالة الترقب التي تخيم علينا هنا في دول الخليج تستثير سؤالا: ما الذي ننتظره؟ لقد سبقت الأزمة المالية الراهنة أزمة أخرى منذ العام 2007 عندما ارتفعت أسعار الحبوب عالميا فارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل دفع العديد من دول الخليج إلى المسارعة إلى استثمار من نوع جديد: شراء أو استئجار أراض زراعية في دول أخرى وخصوصا شرق آسيا.

لكن دول الخليج لا تعاني شحا في موارد الغذاء التي تستورد غالبها وخصوصا (الأرز والقمح والسكر) فحسب، بل خلف هذا الحاجة تكمن حاجة أكثر إلحاحا هي «المياه». أما أسعار النفط المنخفضة الآن بفعل الأزمة، فهي تحد آخر أمام دول الخليج التي يعتمد ازدهارها الاقتصادي على النفط.

لقد حفزت الأزمة المالية نوازع البحث واستشراف المستقبل وحالة الترقب التي تسود العالم الآن تبدو إرهاصات أولى لمسار سيتشكل في السنوات المقبلة بكل ما فيه من نظم جديدة أو مطورة وقضايا ستفرض نفسها على جدول أعمال العالم.

ليس من المتصور أن يعود الاقتصاد العالمي إلى مثل ما كان عليه الأمر قبل الأزمة، كما أن الطفرات الكبرى التي اعتدنا عليها لن تتكرر. لعل ابلغ ما يمكن الإشارة إليه هنا هو الملف الثري الذي نشرته مجلة «فورن بوليسي» الأميركية في عددها لشهري مايو/يونيو 2009 تحت عنوان: «الشيء الكبير التالي»، وأسفل هذا العنوان ما يلخص الأمر كله: «لماذا الأوقات العصيبة تؤدي إلى أفكار عظيمة».

من تكهنات الخيال العلمي إلى ثمار العلوم التجريبية التي يمكن أن تحكم عالم الغد إلى تغير مفاهيم السعادة والتقلص المتوقع للقطاع المالي وصولا متغيرات الجغرافيا السياسية، يقدم خبراء اقتصاديون وأكاديميون متخصصون ومدراء شركات كبرى رؤيتهم لعالم ما بعد الأزمة المالية العالمية.

ولكم أن تدهشوا قليلا إذ يتوقع احد المساهمين في الملف أن أميركا ستكون الرابح الأكبر من الأزمة أو بعدها. فحسب مايكل ليند مدير السياسات في برنامج النمو الاقتصادي في نيو أميركا فاونديشن فان «الرابح الأكبر في الحريق الهائل هو من أشعل النار في البداية». (راجع مقال ليند: «أميركا» ـ فورن بوليسي، مايو/يونيو 2009).

بعض التوقعات قد لا يستثير القلق خصوصا تلك المتعلقة بتغير مفاهيم السعادة و«التعليم المشخصن» و«التحكم في الغضب»، لكن بعضها كفيل بأن يقرع أجراسا بحجم بابل.

ففي مقال صغير ضمن هذا الملف بعنوان «الماء» يذهب بيتر برابيك ـ ليتماث رئيس مجلس إدارة شركة «نستله» فإن «الماء هو الذهب الجديد وقد بدأ عدد غير قليل من البلدان والشركات بعيدة النظر يراهن عليه».

قد لا تبدو التحذيرات جديدة هنا وثمة الكثير من الدراسات والأبحاث التي رسمت سيناريوهات للمستقبل العالمي قبل الأزمة المالية، لكن من يقرأ الملف سيتساءل حتما: ماذا عنا نحن؟

ان الشعور بأننا ننتظر غيرنا كي يقرر مستقبلنا أو يؤثر فيه أمر ثقيل الوطأة.

وسواء كانت تلك ال«نحن» في ذلك السؤال تخصنا «نحن» في دول الخليج أو تمتد لتشملنا «نحن» العرب جميعا، فإن إحساس المرارة هو نفسه. لن امضي في سرد فاصل نواح جديد، غير انني اعتقد بدرجة عالية من اليقين أن دول الخليج تملك فرصا اكبر من الدول العربية الأخرى للشروع في اعتماد الدراسات والتخطيط ورسم السياسات على أساس البحث العلمي.

هذا ليس غائبا مثل سيقال، كما إننا نعرف أن التخطيط احد المهمات التي تضطلع بها الحكومات عبر دوائر أو أقسام أو مؤسسات صغيرة داخل أجهزتها، لكننا نتحدث عن أمر آخر تماما. نتحدث عن اعتماد التخطيط والدراسة والأبحاث وتعميمها باعتبارها أداة لا غنى عنها لرسم السياسات اليوم وفي المستقبل. هذا يتطلب ما هو أكثر من دوائر صغيرة في الحكومة أو التعاون الدولي (عبر منظمات الأمم المتحدة) أو الاستعانة من حين لآخر بمراكز وشركات متخصصة.

كل هذا سيبقى مطلوبا ولن تنتفي الحاجة له في المستقبل، لكن اعتماد البحث العلمي وتوطينه وجعله أداة أساسية في رسم السياسات يحتاج لما هو أكثر من مجرد الإنفاق. فعندما نتذكر إن أزمتين متلاحقتين في عامين (المواد الغذائية والأزمة المالية) ناهيك عن أزمة مستقبلية في المياه، لم تغير في أنماط تفكيرنا حتى اليوم فان الحاجة تصبح ضرورة قصوى. لا نبتدع شيئا جديدا إذا ما تحدثنا بصوت عال عن حاجتنا لاستشراف مستقبلنا وتقليب الخيارات بدلا من الانتظار.

كاتب وصحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com