خطاب الرئيس اوباما في القاهرة ينظر إليه وكأنه بمثابة «بداية التاريخ» الأميركي الجديد في الشرق الأوسط بشكل خاص والعالم الإسلامي بشكل عام. دون شك كان الخطاب بمثابة خطاب مؤسس لمرحلة جديدة في السياسة الأميركية أو، توخيا للدقة، بمثابة خطاب واعد بمرحلة جديدة ومختلفة سواء في مجموعة الرؤى التي قدمها أو في المقاربات لقضايا المنطقة التي جاءت في الخطاب.

صحيح أن الخطاب جاء تحت عنوان إسلامي واسع يتوجه للعالم الإسلامي ككل لكنه تمحور بشكل خاص حول الشرق الأوسط الكبير من كابول إلى غزة وتحديدا حول العالم العربي دون الحديث مباشرة عن هذا العالم واليه.

خطاب أوباما شكل قطيعة مع سياسات سلفه على عدة مستويات منها ما يتعلق بالرؤيا لقضايا المنطقة ومنها ما يتعلق بالمقاربة الأحادية لتلك القضايا ولنمط الاستعلاء الذي يعكس شعورا بالتفوق الأخلاقي والقيمي تجاه الآخر ومحاولة فرض نموذج جاهز للحكم على ذلك الآخر أيا كانت أهمية فلسفة ذلك النموذج أو مضمونه.

شكل الخطاب قطيعة أيضا مع منطق يقوم على استسهال اللجوء إلى القوة وإلى عسكرة الدبلوماسية وإلى فرضية الصدام مع الآخر كقاعدة في العلاقات مع ذلك الآخر وسمة أساسية لتلك العلاقات.

الخطاب الذي حمل بشكل عام بعدين، واحد ثقافي قيمي والثاني سياسي مبدئي شكل أيضا قطيعة أو لنقل وضع نهاية لمنطق ومزاج 11 سبتمبر. من خصوصيات صاحب الخطاب، الأمر الذي أعطى أيضا مزيدا من المصداقية، انه الرئيس الأكثر عولمة وتنوعا في أصوله العائلية وسيرته الشخصية، وأنه استطاع بذلك أن يقدم نفسه كنموذج صادق للنموذج الأميركي القائم على مفاهيم الفرص للجميع والمساواة والتسامح وعدم التمييز.

ظهر في الخطاب التركيز على الشأن الديني وعلى التفاعل بين الأديان في فلسفتها العميقة الداعية لذلك. ونلاحظ أن الرئيس الأميركي ذكر الإسلام والمسلمين أكثر من أربعين مرة في كلمته، والرسالة واضحة في هذا المجال، إنها رسالة الدعوة كما جاء في الخطاب لتأسيس علاقات على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة المتبادلة وعلى منظومة قيم الانفتاح ومحاربة الخوف وبناء الجسور مع الآخر ومحاصرة الفوبيا أيا كان مصدرها عبر التفاعل البناء والخلاق مع ذلك الآخر الموجود في جزء منه «عندنا».

انه خطاب ركز على بناء الجسور الثقافية في عالم يشكل العنصر الثقافي أو عنصر الهوية دورا أساسيا في صياغة العلاقات بين أطرافه دولا وأشخاصا ومجموعات وفضاءات ثقافية جغرافية مختلفة.

شمولية الخطاب انعكست في العناوين السبع التي حملها وأولها الحديث عن التطرف العنيف ومخاطره وكيفية مواجهته بعد أن اسقط أوباما من قاموس الدبلوماسية الرئاسية تعبير الإرهاب الذي شكل عند الإدارة السابقة عنوانا سهلا مطاطا ومرنا لمحاربة كل من لا يلتقي مع الولايات المتحدة في سياساتها.

وتحدث أيضا عن «أم المسائل»، وهي القضية الفلسطينية، التي تشكل الباب الأساسي للولوج إلى علاقات أميركية عربية إسلامية مختلفة ولتغيير صورة أميركا في المنطقة. من أهم ما أورده في هذا المجال تأكيده على المساواة في المعاناة بين اليهود والفلسطينيين مما أزعج كثيرا الإسرائيليين وأصدقاءهم الذين يريدون دائما احتكار تاريخ المعاناة لهم وحدهم، وهو أعاد المعاناة الفلسطينية إلى تاريخ نشأة الصراع وليس إلى احتلال عام 1967.

لم يقدم بالطبع في خطابه رؤيته للتسوية بل أكد على مبادئ عامة منها بالطبع مبدأ الدولتين اللتين تعيشان جنبا إلى جنب والموقف الحازم الذي صار يتكرر في الخطاب الأميركي الجديد حول وقف الاستيطان وقد جاء في شكل يحمل عدة تأويلات إذ ذكر أوباما بأننا «لا نقبل مشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية».

وعلى صعيد آخر لم يأت الخطاب بجديد سوى تأكيد الموقف الأميركي فيما يتعلق بإيران مع الاعتراف والاعتذار عن دور الولايات المتحدة في إسقاط حكومة مصدق عام 1953، والتأكيد أيضا على أن واشنطن تتطلع لعالم خال من أسلحة الدمار الشامل.

والجدير بالذكر أن ما يميز هذا الخطاب أيضا خيط رفيع من النقد الذاتي للسياسات الأميركية الماضية، من ذلك أيضا حديثه عن الاستعمار وهو شيء جديد في خطاب رئاسي، وهو ما يضيف إلى مصداقية الرؤيا والأسس والتطلعات التي يحملها الخطاب. في الديمقراطية جاء كلام الرئيس الأميركي ليقيم توازنا بين التمسك بدعم الديمقراطية ورفض محاولة فرض نظام حكم، ولو ديمقراطي، على أي دولة أخرى احتراما لخصوصيات وتقاليد كل شعب.

إنها عودة إلى الواقعية في السياسة الأميركية ولكنها واقعية جديدة كما يصفها البعض من خلال إبقاء الضوء مركزا ولو بخجل على المسألة الديمقراطية. المهم أيضا في الخطاب تركيزه على مسألة الحرية الدينية التي يشكل احترامها ركنا أساسيا في إقامة علاقات ايجابية بين الشعوب وضمن المجتمعات نفسها، والتي تبقى مدخلا لأي حديث جدي عن الديمقراطية في الداخل وعن شراكة الاحترام المتبادل في الخارج.

نقطتان أخيرتان أيضا حملهما الخطاب الشامل أولهما يتعلق بموضوع حقوق المرأة حيث رفض الخطاب المعيار الغربي في تحديد تقدم المرأة المتعلق بالشكل أو اللباس وركز على التعليم كمدخل أساسي للمساواة بين الجنسين وكمدخل أيضا بالتالي لحرية المرأة وتحررها والنقطة الثانية تتعلق بالتركيز على التنمية الاقتصادية وعلى كونها لا ترتبط بثقافة معينة كالثقافة الغربية وبالتالي لا يوجد نموذج أيضا اقتصادي اجتماعي غربي يشكل الشرط الوحيد لعبور المجتمعات النامية إلى التقدم وفي السياق ذاته أيضا دعا الرئيس الأميركي إلى إقامة شراكة ذات أوجه متعددة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي تطال مجالات التعليم والتكنولوجيا والأبحاث لإعطاء طابع شامل لهذه العلاقات.

دون شك كان هنالك ترحيب كبير وظاهر وحار بالخطاب الذي هو الشرط الضروري بالطبع والمطلوب ولكن غير الكافي للمساهمة في تغيير صورة الولايات المتحدة وعلاقاتها في العالم العربي بشكل خاص والعالم الإسلامي بشكل عام.

فهنالك دون شك ارث ثقيل من العلاقات السلبية والمتوترة الأميركية العربية الإسلامية خاصة في السنوات الثماني الأخيرة والانتقال من دبلوماسية تحويلية ذات أجندة قسرية أميركية تجاه العالم العربي والإسلامي نحو دبلوماسية تفاعلية تقوم على المشاركة والحوار وتعددية الأطراف مع الآخر شيء أساسي وضروري. لكن من الطبيعي أن تبقى هنالك درجة كبيرة من الحذر وليس بالضرورة من التشكيك في قدرة الولايات المتحدة على الانتقال من النظرية إلى التطبيق.

فالولايات المتحدة لا تختصر برئيسها فهنالك قوى فاعلة ومؤثرة كما ان هنالك قضايا داخلية ودولية وعالمية ضاغطة أيضا على الأجندة الأميركية وهي كلها تطرح تحديات حول كيفية ترجمة هذا الخطاب إلى خريطة طريق وسياسات فاعلة.

سياسات تساهم في تغيير الأوضاع في المنطقة نحو الأفضل وهذه ليست مسؤولية أميركا وحدها طبعا ولكنها تبقى مسؤولية أميركية أساسية، لا تعفي الآخرين من عرب تحديدا في تحمل مسؤولياتهم، لكنها مسؤولية أميركية أساسا كون واشنطن ساهمت دائما في صنع هذه الأوضاع المتردية أو في الحفاظ عليها، وكونها الأكثر قدرة على إحداث التغيير المطلوب في المسألة الأهم لتغيير الصورة الأميركية وعلاقات أميركا في المنطقة وهي القضية الفلسطينية في مختلف جوانبها.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr