ما واجهته بريطانيا وظهرت آثاره في أوساط مجلس العموم البريطاني بغالبيته العمالية، بفضيحة بعض النواب المنتخبين الذين اتهموا بالتلاعب وخيانة الثقة على حساب دافع الضرائب البريطاني، أو في الحكومة العمالية البريطانية باستقالة تسعة وزراء على خلفية هذه الأزمة وعلى خلفيات أخرى، وأخيرا بما أظهرته نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي والمجالس المحلية من خسارة لمرشحي الحزب الحاكم في بريطانيا، يضع «جوردون براون» في أزمة حقيقية تهدده بالسقوط!
وبقدر ما تعكس هذه الأزمات وهذه الاستقالات حالة تنافس ذاتية وموضوعية بين الأحزاب، فإنها تعكس أيضا حالات التنافس المحموم بين الأجنحة داخل الحزب الحاكم، ماحدا بصحيفة الإندبندت أن تصف ما يجري داخل الحزب بالحرب الأهلية، وأخرى هي التايمز أن تصفه بالتمرد العمالي، سواء من قبل بعض الوزراء على رئيس الحكومة بخلفية ثأرية، أو من قبل الحزب على الحكومة بخلفية زلزال الفواتير البرلمانية وغيرها.
غير أن ما جرى بين معظم الوزراء المستقيلين من أنصار «بلير» الذي سبق للحزب الإطاحة به ديمقراطيا على خلفية موقفه الخاطيء التابع «لبوش» في العدوان الأميركي على العراق وفي العدوان الصهيوني على لبنان، ورئيس الحكومة من جهة، وبين تمرد نواب حزب العمال على حكومة العمال ومطالبتها بالاستقالة سواء على خلفية شخصية أو حزبية وثأرية أو إصلاحية، ورغم خلافنا مع السياسة البريطانية الخارجية تجاه قضايانا العربية، فذلك لايمنعنا من المقارنة بين مساحات الحرية والممارسة البرلمانية والديمقراطية بين العالم الغربي والعالم العربي.
فهذه الأزمة بقدر ما تكشف من فساد، ومن أخطاء سياسية واقتصادية، تكشف أيضا أنه في أجواء الحرية التى تتمتع بها الصحافة البريطانية والرأي العام في مراقبة أداء الحكومة والبرلمان، وفي أجواء الديمقراطية البريطانية التى تتيح لنواب الموالاة تنحية رئيس حكومتهم عندما يذهب بعيدا في تجاهل إرادتهم، كما تمكن نواب المعارضة دون ترهيب أو تخوين من كشف وقائع الفساد المالي أو السياسي والتصدي لها في قاعة البرلمان بما يسحب الثقة من حكومة الحزب أو يجبر وزيرا أو وزراء على الاستقالة..
والأهم أنها تعيد السلطة عمليا إلى الشعب حينما تمكن الناخب البريطاني الحر الإرادة والمؤَمَن من الجوع والآمن من الخوف، والقادر على ضمان حريته وحقوقه بالقانون، وفى غياب عمليات التزوير الانتخابية، ألا يعبر عن رأيه فقط معارضا لسياسة حكومته أو محتجا على قرار لنوابه، بل أيضا لأن يكون في موقع القادر أمام صناديق الانتخابات الشفافة على أن يحاسب ويعاقب من خالفوا إرادته.وهو ما يغاير المشهد غير الديمقراطي السائد فى عدد من بلدان العالم الثالث ومن بينها دول في عالمنا العربي والإسلامي نتيجة طغيان صلاحيات السلطة التنفيذية على السلطة الشعبية، بما يقلب المعادلة الديمقراطية بشيوع أوصاف حزب الحكومة لاحكومة الحزب، ونواب الحكومة لانواب الشعب!
ويكفي أن صوت الشعب البريطاني الحر كان صاخبا وغاضبا على حكومتة وعلى برلمانه في العدوان على العراق وعلى لبنان وعلى غزة، وسمحت له الحرية أن يخرج في مظاهرات مليونية سلمية فاقت ما خرج في العالم العربي، بل إن نوابه الأحرار وفي مقدمتهم النائب المحترم «جورج جلوي» ونواب البرلمان الأوروبي الأحرار هم أول الذين تحركوا بالسفن وبالمساعدات إلى قطاع غزة المحاصر، بينما يمنع النواب العرب في البرلمانات العربية من مجرد الدخول إلى غزة لرفع معنويات الشعب الفلسطيني المحاصر.. والذي لايزال تحت الحصار!!