من جملة ما حمله المبعوث الأميركي ميتشيل معه إلى المنطقة، مطالبته العرب «بخطوات ذات مغزى»؛ تجاه إسرائيل. اسم مشفّر لتطبيع ما معها. دفعة مسبقة على الحساب، للدولة العبرية. المسوّغ المزعوم: تحريك «عملية السلام» من الجهتين وتحفيز لحكومة نتانياهو لتعود إلى طاولة التفاوض.
الترجمة: على العرب التعبير بشكل محسوس عن حسن نواياهم. في المقابل، لا تقدّم حكومة الصقور سوى القبول بالتفاوض. معادلة واقفة على رأسها. لا يستقيم لها منطق ولا حساب. وما يجافي طبيعة الأمور، ليس في وسعه خدمة السلام. على العكس، هو محكوم بتبديد احتمالاته.
منذ زمن بعيد والإدارات الأميركية المتعاقبة تفاتح الجانب العربي بهذا المطلب. الذريعة هي نفسها. مفادها أن على جيران إسرائيل تقديم البرهان على قبولهم بها، فضلاً عن إثبات رغبتهم بالسلام معها. بمعنى آخر، مطلوب منهم تطمينها وتطييب خاطرها.
وكله مقدّماً. سلفة من دون ضمانة ولا تأمين. تقديم براءة ذمة، من المعتدى عليه للمعتدي. وكانت واشنطن دائماً ـ ويبدو أنها لا تزال ـ تزعم بأنها تريد مثل هذه الورقة بيدها كي تشجع إسرائيل وتحفزها على القبول بمقتضيات السلام والمضي في مسيرته.
إذا كان للتشجيع، فقد أخذت الكثير من هذه البضاعة. بالنتيجة، كان المردود على عكس الزعم. كلما أخذت إسرائيل، كلما سألت المزيد. معزوفة مضى عليها قرابة عقدين. قاعدة ما كان من الممكن أن تنتهي بغير هذه النتيجة. مبنية على فرضية مغلوطة.
إسرائيل لا تحتفظ بالأرض لتحسين شروط سلام تسعى إليه. هي تحتل الأرض للتوسع والضم وبناء المستوطنات. فعلها ينطق بذلك. في السنوات الأخيرة وفي نفس الوقت الذي كانت تحصل فيه لقاءات ومؤتمرات ويتكرّر الكلام عن السلام؛ تمدّد الاستيطان كما لم يحصل من قبل.
خلال تلك الفترة، راوغت ولجأت إلى التعجيز، لتتملّص بالنهاية من التزاماتها. حتى الأولية منها. مثل إزالة الحواجز في مناطق الضفة. ناهيك بوقف الاستيطان. شعارها كان وما زال، «سلام مقابل سلام». الوزير ليبرمان أفصح عن ذلك صراحة، عند مجيئه. تأخذ الأرض والاعتراف والعلاقات، مقابل حلة سلمية مع جيرانها.
إذا كانت إدارة أوباما تطلب التطبيع من العرب، بزعم مساعدتها؛ فهي لا تحتاج إلى مساعدة. تملك الكثير من الأوراق، ليس فقط لحفز إسرائيل. بل أيضاً لحملها وأكثر. إذا كان الطلب لتطمين إسرائيل، فإن المطلوب تطمينه هو المعتدى عليه وليس المعتدى. حتى تصحّ المطالبة بالتطبيع، على الأقل ينبغي أن تكون جزءا من كل وبموازاة خطوات ملموسة، وفق خطة تؤول إلى قيام الدولة الفلسطينية ومستلزماتها. في غير هذا السياق يبقى التطبيع مجانياً وملغوماً.
