لاشك أن زيارة أوباما للسعودية ومصر، وخطابه الموجه إلى العالم الإسلامي، والذي ألقاه في جامعة القاهرة حدث مهم ويمكن أن يكون بداية لتحول نوعي في تعامل واشنطن مع العديد من المشاكلات والملفات الدولية.
فقد عبر أوباما فى خطابه عن نوايا جيدة ومهمة يمكن أن تختصر معاناة شعوب بأكملها لو كان جادا في تنفيذها.بل أن الرئيس الأميركى قطع وعودا لو نفذت لحققت خطوات واسعة نحو تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.
ولابد من الأخذ بعين الاعتبار أن خطاب أوباما للعالم الإسلامي من القاهرة لم يكن الأول، وإنما سبقه كلمته التي ألقاها في البرلمان التركي ربيع العام الجاري، والتي يبدو أنها لم تحقق الهدف المطلوب، فعاد إلى المنطقة بخطاب أكثر جرأة وانفتاحا على مليار ونصف المليار مسلم في محاولة للتوصل إلى تفاهم معهم.
إلا أن خطاب اوباما لم يتنازل عن ثوابت السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، فهو أكد على ضرورة تسوية الوضع في العراق وفق التوجهات الأميركية، ولم يتعجل بسحب القوات الأميركية منه، وإنما أكد على تنفيذ الخطة التي أقرت في عهد سلفه، وربط سحب القوات الأميركية بالقضاء على التطرف والجماعات التي تعتبرها واشنطن متطرفة!!
أي بتصفية تنظيم الطالبان.وتستمر نغمة التطرف ومواجهة المتطرفين كقاسم مشترك بين خطاب أوباما وخطاب سلفه بوش في تبرير السياسات الأميركية التي تلجأ لاستخدام القوة لتحقيق مصالحها تحت عنوان إنقاذ البشرية من التطرف والمتطرفين.
إلا أن اوباما لم يقدم تعريفا واضحا للتطرف ولم يحدد سمات وملامح الجماعات المتطرفة، ولم نعد نعرف هل القاعدة وطالبان هما فقط من يقصد بهما، أم أن الجماعات التي نفذت عملية اغتيال اسحق رابين تندرج تحت هذا المفهوم؟؟ لاشك أن حديث أوباما عن التطرف كان زئبقيا يصعب ايجاد فوارق جذرية بينه وبين ما كان يطرحه سلفه بوش.
أما حديث أوباما عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم فلم يختلف عن موقف الإدارة الأميركية السابقة، إلا في رفضه لسياسات إسرائيل التوسعية عبر بناء المستوطنات، إلا انه لم يترافق مع تقليص المعونة الأميركية التي تصل إلى عدة مليارات من الدولارات وتستفيد منها حكومة تل آبيب في بناء المزيد من المستوطنات.
وعقب زيارة أوباما إلى القاهرة ستتم زيارة الرئيس ديمتري ميدفيدف لمصر، التي سيوقع خلالها اتفاق تعاون إستراتيجي مع الرئيس المصري حسني مبارك، ويبدو أن خطاب موسكو أكثر ووضوحا في الملفات المطروحة، حيث أعلن ميدفيدف حرص روسيا على تقديم مساعدة في تطوير العراق المعاصر الذي يسير على طريق التطور الديمقراطي.
ودعت موسكو مرارا إلى ضرورة انسحاب القوات الأجنبية من العراق، باعتبار أنه السبيل إلى توفير الإمكانية لتحول السيطرة على الوضع الأمني في العراق إلى العراقيين أنفسهم.
أما ملف أزمة الشرق الأوسط فمازالت روسيا تبذل جهودا مكثفة لعقد مؤتمر موسكو الدولي الخاص بتسوية الأزمة الشرق أوسطية، والذي يدعو لتفعيل المفاوضات السلمية على كافة المسارات بما فيها المسار السوري والمسار اللبناني، في إطار التسوية الشاملة، استنادا إلى قناعة روسيا أن إحلال السلام والاستقرار في المنطقة لابد وأن يعتمد مبدأ التسوية الشاملة التي تراعي مصالح كافة أطراف النزاع.
أما تعاطي روسيا مع قضايا التطرف والإرهاب فقد اعتمد موقف واضح منذ سنوات طويلة، واستندت روسيا في محاربة التطرف إلى علاقاتها القوية مع العالم الإسلامي، والذي بلورته بالانضمام لمنظمة المؤتمر الإسلامي كعضو مراقب منذ عدة سنوات، ولم تعان السياسة الروسية من خلط المفاهيم أو الارتباك فيما يخص تعريف التطرف والتعامل مع العالم الإسلامي.
ولعل الفارق بين مساعي روسيا والولايات المتحدة لإحلال الاستقرار في الشرق الأوسط يكمن في مفهوم موسكو وأساليبها لتحقيق مصالحها والتي تراها ضمن منظومة احترام ومراعاة مصالح بقية الأطراف، ومفهوم إدارة بوش التي لم تكن تتعامل سوى مع المصالح الأميركية، ولم يقدم أوباما في خطابه إجابة محددة.. هل سيواصل تجاهل مصالح الآخرين؟ أم سيعتمد منهج احترام حقوق ومصالح بقية الشعوب؟.
خبيرة الطاقة الروسية