بإرادة المصالحة وبالحوار والوفاق، عبرت موريتانيا الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد على مدى الشهور العشرة الماضية، وبتوقيع «اتفاق داكار» بوساطة الرئيس السنغالي عبد الله واد ورعاية الاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمة الفرانكوفونية في إطار لجنة الاتصال الدولية، طوت أطراف الأزمة صفحة الماضي بحوار وطني حول الشرعية الدستورية والالتزام بالديمقراطية وتنازل من كل الأطراف لكل الأطراف بروح جديدة تستهدف التطلع إلى مستقبل البلاد الماضي.
والفضل في ذلك بعد الشعور بالمسؤولية الوطنية من جانب أطراف الأزمة وتغليب مصلحة الوطن على مصلحة الأحزاب ومصلحة الشعب على مصالح الأفراد، هي المساعي الأفريقية العربية الليبية والسنغالية للتوصل إلى اتفاق، محاولة الوقوف على نفس المسافة بين الأطراف الثلاثة المتنازعة لأعلى السلطة بل على الجمهورية الديمقراطية كل وفق رؤيته فيما تركز خلاف هذه الأطراف حول ثلاث رؤى ظلت على مدى الشهور التي تلت الانقلاب محلا لحوارات ومشاورات ومساجلات ومظاهرات لم تصل إلى اتفاق.
الأولي، رؤية قادة الانقلاب برئاسة الجنرال ولد عبد العزيز ومعهم الغالبية البرلمانية باستمرار حركة التصحيح واستمرار العمل بالدستور والبرلمان مع عزل الرئيس ولد الشيخ أو استقالته، ثم باستقالة المجلس الأعلى للدولة وإعادة الاحتكام للشعب بتنظيم انتخابات جديدة يشارك فيها كل من له حق الترشح للرئاسة بما في ذلك الرئيس المخلوع وقائد الانقلاب وتشكيل لجنة مستقلة للإشراف على انتخابات نزيهة»..
وهي الرؤية التي تبنتها في حوار داكار «جبهة الاتحاد من أجل الجمهورية» التي تؤيد انقلاب السادس من أغسطس بقيادة الجنرال محمد ولد عبد العزيز باعتباره حركة تصحيح للمسار الديمقراطي بعد أزمة تصادم السلطتين التنفيذية والتشريعية وشلل مؤسسة الرئاسة وليس انقلابا على الديمقراطية.
والرؤية الثانية هي رؤية الرئيس ولد الشيخ وأنصاره بعودة الرئيس باعتباره هو الذي يمثل الشرعية الدستورية، وبإلغاء الانقلاب وكل ما ترتب عليه من تغييرات وتنظيمات وإجراءات، باعتبار أن لا الانقلاب ولا إعادة الانتخابات ليس حلا مناسبا لأزمة الانسداد الديمقراطي، وإنما الحل في استمرار المؤسسات الدستورية في ممارسة دورها وآلياتها وصلاحياتها للخروج من الأزمة لأن الانقلاب يضيف أزمة جديدة..
وهي الرؤية التي عبرت عنها في حوار داكار «جبهة الدفاع عن الديمقراطية» ومن بينها رئيس البرلمان، التي تؤيد الرئيس ولد الشيخ عبد الله باعتباره الرئيس الشرعي وفق الانتخابات الديمقراطية، على عكس رؤية غالبية البرلمان.
.. والرؤية الثالثة، هي لزعيم المعارضة «أحمد ولد دادة» المرشح السابق للرئاسة، والذي أيد التغيير وإعادة الانتخابات، لكنه يعارض ترشح كل من الرئيس والجنرال على منصب الرئاسة.. وهي الرؤية التي عبر عنها في حوار داكار «تكتل القوي الديمقراطية» الذي يمثل الرؤية الثالثة التي لا تريد نظام الرئيس ولا انقلاب الجنرال.!
وقدتم الاتفاق علي إجراء الانتخابات الرئاسية في 18 يوليو القادم، وعلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تشرف على الانتخابات بمرسوم من الرئيس ولد الشيخ وبعدها يوقع على قرار استقالته، وتحسم الانتخابات المقبلة من هو الرئيس الشرعي.
ومع مفاجأة إعلان العقيد أعلي محمد ولد فال قائد الانقلاب الأسبق ترشيح نفسه للرئاسة بعد غياب عن واجهة الأحداث بعد أن أدخل البلاد إلى مرحلة الشرعية الدستورية، ينتظر أن تكون الانتخابات القادمة محملة بالمفاجآت حول من سيختاره الشعب رئيسا، ولد دادة، أم العقيد ولدفال، أم الجنرال ولد عبد العزيز؟
كاتب مصري