أدرت جهاز المشي في النادي الصحي لفندق كراون بلازا، الواقع على خور دبي، الخميس الفائت، وإذا بالتلفزيون المثبت على ذلك الجهاز يعلن عن قرب خطاب رئيس الولايات المتحدة الأميركية، باراك حسين أوباما، الذي سيلقيه في جامعة القاهرة.

أدرت الجهاز على قناة «السي ان ان» وطلبت من مشرف النادي أن يعطيني سماعة أضعها على أذني لكي استمع إلى الخطاب بلغته الأصلية لأتحسس الألفاظ وأتفهم معاني العبارات وأخذ الكلام من مظانه. ولقد انتظرت مدة ليست بالقصيرة وأنا أمشي على ذلك الجهاز إلى أن دخل أوباما قاعة جامعة القاهرة وحيا الجمهور بتحية الإسلام.

وكم كان سروري عظيماً حينما خص دبي بالذكر دون سواها من مدن وبلدات الوطن العربي، لما لها من تجربة خاصة في تطورها اختطته لنفسها لتكون نموذجاً يحتذى لطريق لم يلجه الآخرون. وكان ذكرها في معرض حديث أوباما عن التنمية ودروبها المتعددة التي لا تعني بالضرورة السير في المسارات التي سلكتها تجارب الأمم الأوروبية، والتي نتيجتها أوجدت قطيعة مع ماضيها.

فها هي اليابان وكوريا دخلتا مرحلة الحداثة دون أن يعني ذلك إهداراً لثقافتيهما المميزتين. ثم ذكر أوباما أن التنمية لا تخص أمة أو ديناً معينين وهنا خص تجربتي ماليزيا ودبي، كنماذج لمجتمعات إسلامية اختطت لنفسها دروباً للتقدم والتطور غير تلك التي اختطتها المجتمعات الأوروبية وهاهي تعطي أكلاً طيباً ونتائج مثمرة .

والحق أن الخطاب قد شدني وجعل المشي على ذلك الجهاز الرياضي أسهل وأيسر، حتى أنني مشيت أكثر بكثير من الوقت المقرر، إلى أن انتهى من خطابه.

وقد خرجت من ذلك الخطاب بانطباع أولي وهو أننا أمام رجل استثنائي وقائد تاريخي سيخلد اسمه ذاكرة الشعوب. فنحن لسنا أمام رئيس عادي استطاع أن يكسب معركة انتخابية ؟ على صعوبة كسبها ؟

بل نحن أمام قائد موهوب يستخدم ملكاته الفريدة ومواهبه المميزة لإنفاذ إرادته في صنع تاريخ جديد للبشرية. إنه رئيس ذو رؤية معينة للعلاقات بين الأمم والشعوب قائمة على «تعاون الحضارات» في مقابل رؤية سلفه التي كانت تقوم على «صراع الحضارات»!!

وبالطبع، فنحن لا نناقش إن كانت رؤى أوباما ستنجح وتتحول إلى واقع، فهذا ما ستكشفه الأيام، وإنما ما نقوله على وجه التحديد أن للرجل رؤية أخرى مخالفة لأسلافه تضعه في مقام الرؤساء العظام.

أعجبني توازن خطاب أوباما، وهو خطاب حمل عمقاً ثقافياً على غير عادة أهل السياسة الذين لا يتجرأون الخوض في المجال الثقافي، حيث بيّن فيما بين دور الإسلام في البناء الحضاري الإنساني، وبيّن النظرات السلبية التي راكمها المسلمون للولايات المتحدة، حيث لم يروا إلا وجهاً واحداً لأميركا وهو «الوجه الإمبريالي» ليغفلوا الوجه الآخر وهو القيم التي نشأت عليها الجمهورية الأميركية بثورتها الوطنية للتحرر من الاستعمار القديم.

ولأول مرة يفصح رئيس للولايات المتحدة عن دور المسلمين في نهضة بلده، وليشير إلى أن هؤلاء ليسوا أفراداً طارئين عليها وإنما بناة أصلاء مع إخوتهم الآخرين في تقدمها ورفاهها.

وقد ارتبط حديثه عن مسارات التنمية المتعددة وشعابها المتباينة بحديثه عن التطور نحو الديمقراطية وحكم القانون. فإن كانت ثمة قيم بشرية مشتركة تعلي من مكانة الإنسان وتعطيه حقوقاً طبيعية كحق الحياة والتعبير والعقيدة والعمل وغيرها، فإن تجليات تلك الحقوق في الواقع المعاش ترتبط بثقافة كل مجتمع وتطوره.

وعليه، فإن أوباما قد نأي بنفسه عن الطروحات التي تبنتها الإدارة الأميركية السابقة والمتعلقة ب«تصدير الديمقراطية وفرضها»، حيث تبنى في خطابه ـ صائباً ـ حرية كل أمة في أن تختار لنفسها طريقها نحو المشاركة السياسية، التي بينت التجربة التاريخية أنها ستأخذ أشكالاً متعددة ودرجات مختلفة.

ولأول مرة في تاريخ الخطب الأميركية ـ على الأقل منذ وعينا شخصياً لتلك الخطب ـ نرى رئيساً أميركيا يتحدث عن آلام الشعب الفلسطيني ومأساته بلغة تتسم بالتعاطف وينظر إلى مطالبه بتفهم وإدراك. ولعل في ربطه بين نضاله ونضال الأقلية السوداء في الولايات المتحدة والأكثرية في جنوب أفريقيا دلالات عميقة.

أما طرحه لجدوى استخدام القوة، وتطلعه أن تنتهج كل فصائل الثورة الفلسطينية أسلوب النضال السلمي فهذه مسألة لم يكن ليطرح غيرها، إذ لا يمكن لرئيس أميركي أن يبرر استخدام القوة ضد إسرائيل، الصديق الصدوق للولايات المتحدة مهما كانت المبررات.

وأوباما في حقيقة الأمر لم يبتعد عما يجول في الشارع الفلسطيني منذ أكثر من عقدين أو أكثر حول تحبيذ النضال السلمي، ووضع الكفاح المسلح ـ ولو مؤقتاً ـ على جنب. وما نجاح الانتفاضة الأولى التي اندلعت في أواخر الثمانينات إلا دليلاً على نجاح تلك الوسيلة ـ كما يجادل أنصار النضال السلمي ـ في حين كان نصيب الانتفاضة الثانية الفشل لأنها حادت عن طريقها السلمي.

لا يسعنا أن نقول في ختام حديثنا إلا انك أحسنت القول يا أوباما، وقد قال فقهاؤنا قديماً إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وما ينتظره منك الجميع الآن هو أن تقرن ذلك القول بالعمل.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com