اشتكى الزعيم الليبي معمر القذافي، الذي يقوم حالياً بزيارة رسمية الى ايطاليا، هي الأولى من نوعها، اشتكى من ان العالم لم يكافئ بلاده على تخليها عن طموحاتها لامتلاك اسلحة الدمار الشامل، مما يعكس حالة من خيبة الأمل لديه، تكشف عن توقعات كبرى في هذا المضمار لم تتحقق اي منها حتى الآن.
الشكوى الليبية في محلها، لأن التعامل الغربي، والاميركي منه بالذات، مع ليبيا وقيادتها، جاء مشوبا بالحذر، وهذا يتضح من خلال التدرج البطيء في الانفتاح على طرابلس، واعادة العلاقات الدبلوماسية والتجارية.
وكأن الدول الغربية اتفقت فيما بينها على وضع ليبيا في مرحلة تجريبية انتقالية لمعرفة ما اذا قد تخلت عن ماضيها 'الثوري' بشكل كامل والتأكد بأن تخليها عن اسلحة الدمار الشامل خطوة جدية تجسد تحولاً استراتيجياً، وليس مجرد تكتيك الهدف من ورائه كسب الوقت والانحناء امام عاصفة التغول الاميركي الذي انعكس بجلاء في غزو كل من العراق وافغانستان واحتلالهما وتغيير النظامين الحاكمين فيهما.
الاميركيون يعتقدون ان ليبيا كوفئت بما فيه الكفاية على خطوتها الطوعية بالتخلي عن برامجها النووية والكيماوية والبيولوجية، فها هي عاصمتها تستضيف سفارة اميركية في قلبها، بعد ان استضافت السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية في اول زيارة من هذا النوع منذ انقطاع العلاقات بين البلدين قبل اربعين عاما تقريبا.
الليبيون وقعوا في الخطأ الذي وقع فيه العرب الآخرون، اي التجاوب الفوري مع المطالب الغربية، وانتظار 'كرم' الغرب و'تقديره لهذه الخطوة لاحقا'.
مثل هذا النهج يصلح بين العرب انفسهم، وبينهم وبين معظم دول العالم الثالث، ولكنه لا يصلح قطعا مع العقلية الغربية 'العملية' التي تقوم على 'المبادلة' وتعتبر 'الكرم' هذا نوعا من القصور السياسي.
بمعنى آخر عندما يطلب الغربيون من ليبيا تدمير اسلحة الدمار الشامل التي في حوزتها في مرحلة حرجة لتبرير غزوهم للعراق امام رأيهم العام، فانهم يتوقعون ان يتقدم اليهم الليبيون بمجموعة من الشروط والمطالب، ويصرون على تحقيقها دفعة واحدة او وفق جدول زمني محدد، ويبدو من خلال شكوى الزعيم الليبي الآنفة الذكر ان الطرف الليبي لم يربط تخليه عن اسلحة الدمار الشامل بسلسلة من الشروط الجوهرية.
وربما يجادل البعض من اهل النظام في ليبيا بان بلاده حققت مكاسب كبيرة بتخليها عن اسلحة الدمار الشامل هذه، أبرزها الحفاظ على النظام وبقائه، وتجنب مواجهة غير متكافئة مع ادارة اميركية متوحشة.
وهو جدل ينطوي على بعض الصحة دون شك، ولكن يمكن ان يرد البعض بالقول ان ليبيا خسرت مكانتها البارزة في محيطها العربي، والعالم الثالث، كدولة ثورية تساند قضايا العالم العادلة، وتتصدى للمشاريع الاستعمارية الغربية في الوطن العربي والقارتين الافريقية والاميركية الجنوبية.
لا نعرف الظروف التي دفعت بالنظام الليبي للتخلي عن اسلحة الدمار الشامل بالعجالة التي رأيناها، والنمط الذي سارت عليه المفاوضات في الغرف المغلقة بين الجانبين واثمرت عن هذه الخطوة، ولكن ما يمكن قوله ان الثمن الذي حصلت عليه السلطات الليبية لا يتناسب مع حجم التنازل.
امام ليبيا مثالان يتشابهان مع حالتها هذه، الاول يتمثل في العروض الاميركية السخية المقدمة لايران حاليا للتخلي عن تخصيبها لليورانيوم، وليس برنامجها النووي، والثاني هو عودة كوريا الشمالية الى سيرتها الاولى، والتخلي عن مفاوضاتها مع اميركا، ومضيها قدما في تجاربها النووية، لعدم رضائها على الصفقة الاميركية التي عرضت عليها.
خيبة امل الزعيم الليبي جاءت في محلها تماما، لانه ليس في وضع يشبه الوضع الايراني، ولا يستطيع العودة عن اتفاقه مع الولايات المتحدة وبريطانيا الذي تخلص بمقتضاه عن اسلحة الدمار الشامل التي كانت في حوزته، مثلما فعلت كوريا الشمالية، لانه لم يعد يملك مثل هذه الاسلحة او البنى التحتية، والخبرات التقنية اللازمة لاستعادة بنائها.
لكن امكانية اصلاح الموقف ما زالت ممكنة اذا كانت النوايا موجودة وجدية. فليبيا ما زالت تملك اوراقا عديدة تستطيع ان تلعبها بشكل فاعل اذا ارادت وتوفرت الظروف الملائمة.
