مر على القدس أكثر من أربعة عقود وهي تئن تحت ظلام وظلم الاحتلال، منذ يونيو 1967 وحتى الآن، ومر على فراق فيصل الحسيني لها حوالي عقد من الزمان، بالضبط في 31 مايو 2001، كره أن يموت فيصل في شهر الهزيمة كما لم يولد فيه، ومابين عقد وعقد أحداث جسام، ففي هذا العقد الذي فارقنا فيه فيصل تعرضت القدس إلى أبشع حصار وتهويد وهدم وتشويه للمعالم، تيتمت القدس.
كتبت مقالات عدة عن القدس ونَشرت بعضها في البيان الإماراتية ونَشرت الآخر في بعض الصحف البحرينية، وقبل أيام عدة قرأت مقالا للكاتب حافظ البرغوثي نشر في 1 يونيو 2009 بعنوان (تهويد البشر قبل تهويد الأرض) يستفز فيه المشاعر وينادي روح الغضب لنجدة الأرض المحتلة من خلال فعل الاحتلال (التهويد الإجباري للفلسطينيين ومحو ذاكرتهم الوطنية والتاريخية والجغرافية) ويدين صمت النظام العربي الذي لا يحرك ساكنا أمام خيار التهويد.
والحقيقة انه لم يشر أبدا في المقال إلى القدس لكني لا اعرف لماذا عندما قرأته أحسست بأن كل كلمة فيه تعني القدس أولا، لذلك بعثت إلى الكاتب رسالة اسأله فيها عن القدس هل ضاعت أم ستضيع؟ أجابني إجابة أشعلت حزني قائلا: لو انك الآن زرت القدس لما عرفت أنها مدينة مقدسة ولما شعرت أنها عربية.
آلمني جدا هذا الجواب وأحسست أن خنجرا غرس في صدري لسببين: الأول شخصي حيث إنني احلم منذ أن كنت في السابعة من عمري وحتى الآن بزيارة القدس ولم أحقق حلمي، ولا اعرف إن كان بالإمكان أن أحققه في البقية الباقية من حياتي، والسبب الثاني طبعا هو الوضع العام الذي آلت إليه المدينة المقدسة.
لذا كتبت للكاتب ردا اسأله ماذا يمكن أن نفعل؟ وماذا بيدنا يمكن أن نقدم؟ واقترحت عليه كتابة رسالة على شكل عريضة ترسل إلى جميع الحكام والرؤساء العرب وجميع رؤساء الدول الأجنبية أعضاء مجلس الأمن موقعة من قبل الكتاب والمثقفين في العالم أجمع كصرخة إنسانية في وجه ظلم الاحتلال لوقف التهويد للمدينة المقدسة ومطالبة المجتمع الدولي والأنظمة العربية العمل حالا وبأسرع ما يمكن لوقف المخطط التهويدي لطمس الهوية العربية في القدس.
ولاتخاذ خطوات وإجراءات عملية لوقف ذلك، ويمكن أن تنطلق الرسالة من المؤسسة التي أسسها المناضل الشهيد فيصل الحسيني (جمعية الدراسات العربية) بيت المشرق بحيث ترفع العريضة بمطالب محددة وواضحة، وأناشد المناضل وزير شؤون القدس حاتم عبد القادر بصياغة العريضة وإطلاق الفكرة للعالم اجمع عبر الفضاء الكتروني.
والسبب الرئيسي الذي جعلني اقترح أن يكون مصدرها المؤسسة التي بناها فيصل الحسيني لدوره التاريخي المحفور في تراب القدس وجدرانه، فالحسيني عروبي قلبا وقالبا، ولد في بغداد عام 1940 ودرس في دمشق والتحق بحركة القوميين العرب 1957 ثم انضم إلى حركة فتح واعتقله الاحتلال ووضعوه تحت الإقامة الجبرية.
أسس جمعية الدراسات العربية عام 1979 شغل عضوية اللجنة المركزية لمنظمة التحرير وتم تكليفه بملف القدس وأصبح رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض في محادثات السلام بمدريد وفارقتنا روحه في الكويت في عام 2001 أثناء مسعاه لتحقيق حلم الشعب العربي والفلسطيني بجعل القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، وأعيد جثمانه ليوارى جسده الطاهر على ثرى الأرض التي آمن بها وعشقها، هكذا توغلت روحه في روح كل عربي كالقدس، وعبر جسده أقطار الوطن العربي، فمن بغداد إلى دمشق إلى بيروت إلى القاهرة فالكويت حتى القدس.
ومازلت متشككة في موت الحسيني وما زلت أشير بأصابع الاتهام إلى الاحتلال وأجهزته المخابراتية، ومازلت متشككة في موت الزعيم عبد الناصر، فالموت المفاجئ والمجهول مصير كل من يسعى للسلام بإخلاص وجد ولديه القدرة على ذلك، وليس ببعيد لو شعر الكيان الصهيوني بتهديد وخطر وجود أي كان، حتى لو كان الرئيس أوباما وقرروا انه ربما يشكل تهديدا لمخططاتهم، لكونه يسعى ومن موقع قرار عالمي للحد من الاستيطان وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، فلا بد أن يعملوا ليل نهار على خطة دقيقة مدروسة لاغتياله بطريقة لا يمكن أن تُحل طلاسمها كما فعلوا مع الرئيس الراحل كينيدي لأنه صرح علنا بأنه ضد برنامج إسرائيل النووي.
القدس تحية من القلب إليك والى الشعب الفلسطيني الصامد المقاوم، ومن القدس إلى القدس اكتب في الختام إهداء الشاعر سميح القاسم قصيدته القدس إلى المناضل الشهيد فيصل الحسيني:
تظل العروس العروس في انطفاء السماء وظلام الطقوس
ماذا تكون سوى القدس بوصلة للجهات؟ هل هي القدس؟
ماذا تكون وعلى دفها ينشد المنشدون بانتباه الحياة وعلى حزنها يحزنون
يا رفيقي الملاك أي شيء سوى ما يتيح الردى في مهاوي السدى والهلاك
يا رفيقي الملاك روح روحي تراك وذراعي وصوتي يداك
صاعدا في النشيد المظفر يا رفيقي الملاك
اسمك القدس في صلوات السنين.. تحت كابوس ليل هجين
اسمك القدس في كل حال وحين.. أنت لي واسمك القدس لي
والقدس من حال وحين اسمك القدس إلى كل حال وحين والى ابد الآبدين آمين.
كاتبة بحرينية