بالانتخابات النيابية السلمية الحرة، وبالتمثيل المتنوع للمرشحين، وبالمشاركة النسبية العالية للناخبين وبالمراقبة الدولية لسير الانتخابات، وبالفوز الواضح لتحالف الرابع عشر من آذار بقيادة تيار المستقبل، وبقبول تحالف الثامن من آذار بقيادة حزب الله والتيار الوطني الحر لنتائج الانتخابات، مرت بسلام الانتخابات اللبنانية بنتائجها المعلنة بحصول تيار الموالاة على 71 مقعداً وبحصول تيار المعارضة على 57 مقعداً في البرلمان اللبناني الذي يضم 128 مقعداً.
وبالخطاب المسؤول لزعيمي التيارين المتنافسين، الشيخ سعد الحريري عن لا وجود لرابح أو لخاسر في الانتخابات وأن الرابح هو الديمقراطية والأكثر ربحاً هو لبنان، والشيخ حسن نصر الله عن قبول النتائج والتأكيد على ضرورة التعاون بين قوى الحكم وقوى المعارضة لبناء لبنان الموحد القوي العادل وعلى أن لبنان لا يحكم بالأكثرية أو بالأقلية ولكن بالديمقراطية التوافقية، عبرت الانتخابات اللبنانية حواجز القلق في ظل التنافس المحموم، ليترقب الجميع على المستوى الوطني والإقليمي والدولي مسارات ما بعد الانتخابات.
ولتدور التساؤلات والمشاورات والتجاذبات حول أول المسارات عند تشكيل الحكومة حول من سيرأسها وما هو برنامجها، وما هي تركيبتها، وهل سيتم تشكيلها وفقاً للتمثيل النسبي في البرلمان أم بمنطق الأكثرية والأقلية، وهل ستشارك الأقلية أم ستنفرد الأكثرية بالمخالفة للدستور اللبناني وما موقفها من شرعية المقاومة، وهل ستنصاع الحكومة المقبلة لطلبات إسرائيل وأميركا لمحاولة نزع سلاح المقاومة نزعاً لأمن لبنان وتحقيقاً لأمن إسرائيل التي تحتل جزءاً من لبنان، أم سيكون الحوار هو السبيل لصياغة استراتيجية دفاعية عمادها تحالف الشعب والجيش والمقاومة كما أكد الرئيس ميشيل سليمان.
مرت أول انتخابات نيابية لبنانية في العهد الجديد بسلام، دون تشكيك صريح في سلامتها ولكن بتشكيك ضمني في تأثير المال السياسي، والشحن المذهبي، والتدخل الأجنبي في التحضير لها، ودون شكوى صريحة من تدخلات سورية مباشرة بتأثير الوجود العسكري الذي انتهى أو غير مباشرة بتأثير النفوذ السياسي الباقي، ودون حديث صاخب عن تدخلات إيرانية مباشرة، وبحديث ضمني عن دعم غير مباشر، لكن سبقتها وتلتها مشاهد مرئية وشكاوى صريحة أو ضمنية بتدخلات أميركية وتهديدات إسرائيلية وبضغوط إقليمية للتأثير على الانتخابات لصالح هذا التيار أو ضد ذاك التيار.
وفي حين عبرت إسرائيل وأميركا وبعض العواصم العربية ذات العلاقة بتل أبيب والصداقة مع واشنطن على لسان مسؤوليها بأشكال مختلفة تدرجت بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، عن قلقها من احتمالات فوز المعارضة التي تمثل الخط العروبي المقاوم في لبنان، انقلب القلق إلى ارتياح في العواصم العبرية والغربية والعربية التي توفر الدعم وتقف موقف الموالاة لفريق الموالاة، وموقف المقاومة لقوى المقاومة، من خارج لبنان، إلى الحد الذي دفع أحد أقطاب الموالاة وهو الزعيم الدرزي وليد جنبلاط لإعلان رفضه للمديح الإسرائيلي المريب!
ومع أن الطائفية ظلت تحكم ديمقراطية لبنان، والمذهبية تتحكم في انتخاباته، والتجاذبات الإقليمية تؤثر في سياساته، والتدخلات الدولية تتحرك على ساحاته فلقد بقي المشهد السياسي اللبناني بطوائفه ومذاهبه وقواه السياسية وبتركيبته المتنوعة وبصيغته الفريدة.
كما هو لم يتغير فيه شيء كثير، وسواء قبل الانتخابات اللبنانية أو بعدها، وأياً كان الفائز بالأغلبية فيها، يظل لبنان كما كان دائماً محكوماً بالتوافق على أساس العيش المشترك، بصيغته الديمقراطية الوفاقية التي لا تمكن طائفة أو فريق سياسي أو مذهبي الانفراد بحكم لبنان دون توافق مع الأطراف الوطنية الأخرى.. إنه قدر لبنان!
كاتب مصري