يوم الأحد الماضي اختار الناخبون الأوروبيون في دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 ممثليهم في البرلمان الأوروبي لخمس سنوات مقبلة.
ثلاث دلالات أساسية تمكن قراءتها من نتائج هذه الانتخابات. وهي أن أوروبا تؤكد هواها اليميني كدلالة أولى، ولكنها تثير درجة أقلّ من الحماس لدى الناخبين كدلالة ثانية، وتعلن عن ترسيخ اهتمامها المتعاظم بالبيئة كدلالة ثالثة.
ما أشبه الليلة بالبارحة، هذا ما تقوله باختصار «تركيبة» البرلمان الأوروبي الجديد. فاليمين الذي كان مسيطرا، أحكم هيمنته أكثر، ومما يعكس هيمنته على أغلبية الحكومات الأوروبية، «اليمينية» هي الأخرى. لذلك بدت نتائج هذه الانتخابات، بمعنى ما، انتصارا لهذه الحكومات. صحيح أن البرلمان الأوروبي لا يتمتع باهتمام كبير من قبل الناخبين الأوروبيين.
بل وتنظر إليه السلطات الرسمية نفسها على أنه جدير برجال ونساء السياسة من الصف الثاني، وربما بوزراء خبا نجمهم مثل رشيدة داتي التي جرى ترشيحها «رغما عنها» لإبعادها عن وزارة العدل الفرنسية التي تشغلها منذ بداية عهد الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي.
وتشير نتائج انتخابات الأحد الماضي إلى أن حزب العمّال البريطاني، الأكثر «أوروبية» بين القوى السياسية البريطانية، مُني بأفدح هزيمة انتخابية له منذ حوالي 60 سنة. إنها «دفشة» جديدة قد تدفع غوردون براون، رئيس الوزراء البريطاني المعزول أكثر فأكثر، إلى الاستقالة. بكل الأحوال لن تكون مهمته سهلة في إقناع حزبه نفسه باستمرار الثقة فيه.
أمّا انجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، فقد احتفظت بابتسامتها على عكس ما كان قد توقعه كّثر. ذلك أن التحالف اليميني الذي يقوده حزبها بقي القوّة الأولى في ألمانيا بحصوله على نسبة تزيد على 38 بالمئة من أصوات المقترعين.
بالمقابل تراجع الاشتراكيون ـ الديمقراطيون كثيرا بينما تقدّم «الخضر». وتقدم اليمين أيضا في فرنسا واسبانيا والنمسا وإيطاليا وبلغاريا وسلوفينيا وهنغاريا ـ المجر ـ وأغلبية دول أوروبا الشرقية والوسطى بينما «رفع» اليسار الاشتراكي رأسه «قليلا» في اليونان.
أكبر «المنتصرين» في هذه الانتخابات هم أولئك الذين جمعهم «تيار» مقاطعة صناديق الاقتراع. ذلك أن نسبتهم في تزايد مستمر قياسا بالدورات الانتخابية السابقة. عدّة أرقام فقط يمكن أن تعبّر ببلاغة عن هذا الأمر. في عام 1992 بلغت نسبة المقترعين على اتفاقية مستريخت الأوروبية في بلد مثل فرنسا 69 بالمئة من المسجّلين على القوائم الانتخابية.
ووصلت النسبة إلى 70 بالمئة على الاتفاقية الدستورية الأوروبية عام 2005. نسبة العازفين عن المشاركة في انتخابات الأحد الماضي بلغت حوالي 60 بالمئة من مجموع الـ 388 مليون ناخب كانوا مدعوّين لاختيار 736 نائبا يمثلونهم في البرلمان الأوروبي. فهل هذا يعني تعاظم اللامبالاة حيال أوروبا؟.
الأمر ليس كذلك بدقّة. إن الأوروبيين لا يزالون يرون في أوروبا الموحّدة ضرورة حيوية واستراتيجية في عالم يبدو أنه يفقد أكثر فأكثر بوصلة توجهه. هذا خاصة أن الأزمة المالية العالمية الراهنة تثير رعبا حقيقيا لدى الأوروبيين. الأمر يتعلّق بالأحرى بحالة استياء من اتحاد أوروبي تتم صياغته «من أعلى».
إن نظرة سريعة إلى نسب مشاركة الناخبين في دول الاتحاد ال27 تبيّن أن الأقل حماسا للاقتراع هم ناخبو بلدان أوروبا الشرقية والوسطى (الشيوعية سابقا)؛ وهؤلاء الناخبون هم بنفس الوقت الأكثر حماسا لمسيرة الاتحاد الأوروبي. هناك إذن مفارقة بالفعل بين «الشعبية» التي لا تزال تحظى فيها فكرة «البيت الأوروبي الموحّد» وبين «تراجع شعبية» الاتحاد الأوروبي بالصورة التي يقوم عليها اليوم.
«التهم» الموجّهة لهذا الاتحاد كثيرة، وليس أقلّها خطورة نقص الديمقراطية وإهمال البعد الاجتماعي والإفراط بالليبرالية والتكنوقراطية.. والنتيجة هي عزوف الناخبين المتزايد عن صناديق الاقتراع عندما يتعلّق الأمر بإحدى المؤسسات الأوروبية الأساسية، كالبرلمان الأوروبية.
«الخضر»، كما شاعت تسمية «أنصار الدفاع عن البيئة» أثبتوا من خلال هذه الانتخابات أنهم موجودون.. وأن مناصرة البيئة لها «ناسها» في أوروبا خارج الأحزاب السياسية كلّها. هذا لا ينفي أن هؤلاء يميلون «عاطفيا» إلى معسكر اليسار، فقد شاركوا في فرنسا بالحكومة اليسارية التي كان يرأسها ليونيل جوسبان قبل سنوات.
كما دعوا لانتخاب الاشتراكية سيغولين روايال ضد نيكولا ساركوزي.. كان للخضر 43 مقعدا في البرلمان الأوروبي السابق، ولهم في الحالي 48 مقعدا.إنهم يتقدمون «خطوة، خطوة» ولكن بثبات.لم يحصلوا على الـ60 مقعدا التي حلموا فيها، لكنهم يشكّلون القوّة السياسية الأكثر انسجاما وتجانسا في البرلمان الأوروبي.
أن تواجدهم مهم في بلدان أوروبا الغربية الكبرى وحصلوا في انتخابات الأحد الماضي على 19 بالمئة من أصوات المقترعين في فرنسا و9 .10 بالمئة في السويد و1 .12 بالمئة في ألمانيا وتقدموا في جميع البلدان الأخرى.
باختصار «الضوء الأخضر» مفتوح باتجاه المستقبل الأوروبي، ولعلّ هذا أحد أهم المستجدات في المشهد الأوروبي الجديد.
كاتب سوري ـ باريس
