الحراك الجاري في المنطقة حالياً، يوحي بتراجع في حدّة التوتر. أو برغبة في التقاط الأنفاس. تشير إلى ذلك اللقاءات والتصريحات والمرونة في خطاب سائر الأطراف والقوى ذات الصلة. ترافق ذلك مع جولة المبعوث الأميركي، ميتشيل، على العواصم المعنية. وكأن في الجوّ رائحة حلحلة. أو على الأقل، رائحة احتمال، من هذا النوع.

من المصلحة الفلسطينية، بل من الواجب، اغتنام هذه الفرصة؛ لتسريع وانجاز عملية طيّ صفحة الانقسام الداخلي.

حتى ولو أن الحراك الدائر، فيه الكثير من الضباب وربما الوهم. ذلك أنه ما عاد يجوز أن يجري الحديث عن الصيغ والجداول الزمنية والشروط، الخاصة بالطروحات المتداولة حول التسوية؛ فيما الساحة الفلسطينية لا تزال غارقة بانقساماتها ومشتبكة مع نفسها.

في هذه الحالة، كيفما انتهت الأمور، تطلع هي الخاسر الأكبر. إذا تحققت تسوية ما، فلن تأتي، في ظلّ الشروط الراهنة؛ بالصيغة الأفضل. وإذا تحوّلت العملية بالنهاية إلى طبخة حصى، عندئذ قد يستخدم الانقسام الفلسطيني ككبش فداء؛ لتحميله وزر الفشل.

في حدود المعروف، لا يحمل المبعوث ميتشيل؛ مبادرة جاهزة. جاء لتسويق ما طرحه الرئيس أوباما. حتى الآن، كل ما فيه أنه يقارب القضية بلغة جديدة. توصيف، تجمع عليه كافة القوى الفلسطينية.

وحتى عواصم المنطقة. لكن يكتنفه الكثير من الغموض والالتباس. عشية وصوله أعلن أنه قادم للعمل على العودة «الفورية» إلى المباحثات.بعد لقاءاته مع الإسرائيليين، أوحى بأنه جاء للتعرف على المطالب. كرّر التركيز على «حلّ الدولتين». وفي المقابل أعاد التذكير بأن واشنطن ليست في وارد «فرض التسوية».

إشارات متضاربة، بين «الالتزام» بهذا الحل؛ وبين العزوف عن ممارسة ما تقتضيه، حتى العودة السريعة إلى طاولة التفاوض. فهذه الأخيرة يبدو أن واشنطن صرفت النظر عنها ولغاية أن يدلي نتانياهو بخطابه الموعود، يوم الأحد القادم، حول السياسة الخارجية؛ والذي تسربت بعض خطوطه إلى الصحافة.

الرسائل من واشنطن مشوّشة. ومن إسرائيل ملغومة، كالعادة وأكثر. لكن يبدو أن هناك حالة استعداد للتفاعل مع إدارة أوباما؛ في حال ترجمت القول بالفعل. حتى اللحظة، هي تطرح وتتحرك، بطريقة تريد منها أن تحمل على الاعتقاد بأنها جادة.

وحده الفعل، يقرّر مدى الجدّية. لكن بغض النظر عن ذلك، يبقى أن هذا المشهد، بات يفرض على الوضع الفلسطيني لملمة حاله. لا يجوز أن يكون خارج الأجواء السائدة؛ وإلاّ تطلع على حسابه. بعودته إلى وحدته، يحفظ مكانه، ويحسّن شروطه. فليس من الجائز أن يكون الآخرون مشغولين بقضيته فيما هو مشغول بصراعاته على السلطة.