عبارة بسيطة في المعنى، إلا أنها تؤكد على عمق تاريخي، تمثل تحدياً للجميع من دون استثناء، أو تراجع عن اللحظة التي تفصل بين الظلام والنور، بين الحق والباطل، بين القوي والضعيف، أو بعبارة أخرى محاولة طمس الحقيقة بالعديد من الوسائل، ظلت الحقيقة تحت الرماد لسنوات طويلة في العصور الوسطى، وسيطرت الخرافة على الحقيقة العلمية لعدة قرون.

وكان من نصيب من يجاهر بإيمانه بالعلم ونتائجه الثابتة الموت على أيدي القوى المهيمنة على العالم التي كانت تتمثل في الكنيسة التي كانت تتحكم في السلطة السياسية وتقودها، إلا أنه بفضل إصرار الإنسان الحر ضد كل تلك الوسائل وتضحيته حتى بحياته، أشرقت شمس التنوير والحرية والحقيقة في أرجاء المعمورة، إلا أن ذلك لم يحل دون الوصول إلى مرحلة أخرى من مراحل القهر، قهر الإنسان في ظروف مختلفة، إضافة إلى عوامل أخرى أسهمت في تقديم خدمات للقوة الجديدة، مما أبقى الصراع قائماً بين مختلف القوى.

إلا أن الحق يظل أقوى من تلك القوى الظلامية، ويظل حق الشعوب ثابتا مهما طال الزمان، هذا ما يدركه القارئ الجيد للتاريخ، التاريخ الحقيقي، وهو بالتأكيد ليس ذلك التاريخ الذي يكتبه المنتصر دائماً، والإنسان العاقل يدرك بوعيه الأيادي التي تحاول أن تلعب به، سواءً بقصد أو ربما بجهالة أو عبث، ومن هنا برزت العديد من الاتجاهات التي تتعامل مع التاريخ، إلا أن الحقيقة تبقى بالرغم من كل المحاولات.

لقد كان للإعلام والإعلان والمال، دور لا يستهان به على مر التاريخ، كما كان للشعراء والخطباء دور في تشكيل وصقل الرأي العام. على مر العصور. وكانوا دائماً هم الأقرب إلى السلطة السياسية وربما القوى الاقتصادية ؟ الاجتماعية، إلا أن ذلك لم يحل دون حاملي الحقيقة والمدافعين عنها على مر العصور، وظل الصراع بين قوى الظلام والنور مستمراً في أحلك الظروف.

ومن هنا انطلقت القوى التنويرية تحارب الظلام، حتى نزلت الحكمة من السماء إلى الأرض، إلا أن العامل المشترك هو سعادة الإنسان، من دون النظر إلى أصله وفصله، أو ديانته أو لونه أو مكانه في هذا العالم المختلف. ومن المعلوم أن تطور المجتمعات البشرية يختلف في تطورها التاريخي وخاصة في عالمين أساسيين الشرق والغرب.

وبات من المعلوم لكل متابع لتطور الحضارات، وليس الثقافات، أن البشرية قد مرت بالعديد من الحضارات، إلا أن هنالك شباكاً مثل شباك العنكبوت تربط بين هذه الحضارات سواء السومرية أو الفرعونية أو العربية الإسلامية، هي في نهاية المطاف نتاج لتطور العقلية البشرية في مراحل مختلفة.

وهي التي تؤكدها الديانات السائدة في العالم. ومهما بلغ الاضطهاد والقمع للآخرين، إلا أن قوة البشرية تؤكد على أن الإنسان يظل أقوى من كل الظروف وإلا لما ظهرت ثورة سبارتاكوس، وثورة الزنج، وثورة السود في الولايات المتحدة الأميركية، والثورة الفرنسية، والجزائرية وغيرها من الثورات التي قاومت اضطهاد الإنسان لأخيه الإنسان، إلا أن الحاسم تاريخياً، بالرغم من كل التحفظات الكثيرة عليها كانت الثورة البلشفية والصينية والأميركية، لأن تلك الثورات هي التي رسمت ملامح التاريخ الحديث للعالم. كانت تلك المعارك رمزاً لاستمرار الصراع بين القوى المختلفة، سواءً المتصارعة أو المتصالحة، إلا أنها مفاصل في التاريخ، الحديث للبشرية.

والتي نتجت عنها مراحل جديدة في التطور العلمي والاجتماعي والاقتصادي، وبلا شك السياسي. وبرزت خلال تلك الفترة الصراعات الدينية بين مختلف منابعها وجذورها، وظهرت القومية والأممية وحتى العشائرية والقبلية، وإلى ما هو أدنى من ذلك. وظل الإنسان يبحث عن المنقذ من الهلاك. ولعل من نتائج ذلك الصراع تصدير الأزمات من خارج الحضارات إلى مناطق أخرى، وهي سياسة «فرق تسد»، أو محاولة تدمير الآخر، والقضاء عليه بكل الوسائل.

إلا أن لكل مرحلة هنالك إمبراطوريات تبرز للوجود، بعد أن تطلق أنفاسها القديمة، وتبرز للساحة قوى جديدة، وعلى سبيل المثال برزت أوروبا بعد الحضارة العربية والإسلامية، وكانت النهاية بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد الحرب العالمية الثانية برزت الولايات المتحدة الأميركية كقوة جديدة متسلحة بأقوى اقتصاد وترسانة أسلحة وقدرة عسكرية مدمرة أرعبت العالم، ويرى آثارها في هيروشيما وناغازاكي. وتلاشت الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، وأصبحت تابعة للقوى الجديدة، وذلك خلال الفترة التاتشرية ؟ الريجانية، وهذه هي الحياة، وهكذا هو تطور البشرية.

في هذه اللحظة أدركت أنني قد ذهبت بعيداً في عمق التاريخ، ذلك الذي لا يرحم من يحاول الغوص فيه كثيراً، وأدركت أنه لا بد من العودة إلى الحاضر. تناولت قدحاً من القهوة، وعدت إلى قراءة الصحف اليومية، وأدركت أن هناك إنساناً قادم من العالم الجديد، ويحمل رؤية جديدة للعالم، وأن الإشكالية الأساسية في العصر الحديث هي مشكلة أو مأساة الصراع الإسرائيلي ؟ الفلسطيني وربما العربي، وعليه فلا بد أن تساهم القوى العظمى وهي الولايات المتحدة الأميركية في حل تلك القضية، والتي أفرزت كل المشاكل في العالم، وحين ذاك يسحب البساط من تحت أقدام كل من استخدمها للمزايدة على حساب التنمية الحقيقية سواء في العالم العربي أو الإسلامي.

في تلك اللحظة أدركت الحركة الصهيونية أن ذلك الذي يحكم العالم أدرك أنها تستخدم نفوذها في عقر العالم الجديد. وتستخدم كل التاريخ لتحقيق حلمها للهيمنة على العالم. وبرزت للسطح حقيقة الصراع بين أوباما ونتانياهو، بين الرئيس الأميركي الذي طرح شعار «أننا نستطيع» وبين نتنياهو الذي يريد تحقيق الحلم الصهيوني في الهيمنة على العالم.

إلا أن ذلك القادم من القارة الجديدة وذو العرق من العالم القديم يدرك أن من مصالح دولته العظمى تحقيق السلام بين القوى المتعارضة في العالم، والتي لا تخدم المصالح القومية للولايات المتحدة الأميركية، ومن هنا كانت الحملة اليهودية عليه سواءً في إسرائيل أو توابعها. ويبقى السؤال: هل يدرك العرب أن أوباما فرصة جديدة لا يمكن التفريط بها؟ وهل تدرك فتح وحماس ذلك؟ سؤال لن يمر من دون محاسبة تاريخية، لأن التاريخ لن يرحم الذين لا يحسنون استخدام الفرص التي قد لا تعوض حتى بعد قرون!!.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»