أعلن جنرال الجيش الروسي نيقولاي ماكاروف رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية اليوم ان روسيا لن تقلص ترسانة أسلحتها النووية، قبل أن يتضح مصير خطط واشنطن الخاصة بنشر منظومة الدرع الصاروخية في أوروبا. واعتبر أن القوات النووية الاستراتيجية من أهم أدوات حماية الأمن القومي، وأن موسكو تعتمد عليها في حماية الاستقرار العالمي.

تصريحات الجنرال ماكاروف جاءت مع بداية المحادثات الروسية ـ الأميركية لصياغة اتفاقية جديدة للحد من الأسلحة النووية، بدلاً من معاهدة (ستارت ـ 1) التي سينتهي العمل بها في ديسمبر من العام الجاري.

ولاشك أن لدى هيئة الأركان الروسية دوافع قوية لتعلن عن موقفها هذا في نفس الوقت الذي يؤكد فيه الرئيس الروسي ميدفيدف بأن روسيا تسعى لتقليص انتشار قواتها المسلحة النووية وتدعو إلى الرقابة على الأمن النووي العالمي، وتدرك هيئة الأركان أن هذا الموقف يمكن أن يؤثر سلباً على المحادثات الروسية - الأميركية الجارية على مستوى الخبراء في هذا الإطار، وكلك سوف تؤثر على القمة الروسية ـ الأميركية التي ستنعقد خلال أسابيع لبحث ملف تقليص الأسلحة النووية. ولكن يبدو أن دوافع هذه التصريحات أقوى من الواقع الذي نتعامل معه.

حيث كشفت هيئة الأركان الروسية عن أن الجيش الجورجي مسلح في الوقت الحاضر أفضل مما خلال الحرب الجورجية ضد أوسيتيا الجنوبية في أغسطس 2008. ولدى القوات المسلحة الجورجية كميات من السلاح والمعدات الحربية تفوق ما كان لديها في أغسطس من العام الماضي.

كما كشفت التحقيقات التي أجرتها لجنة برلمانية أوكرانية أن قيمة أملاك وزارة الدفاع الأوكرانية انخفضت من 40 مليار دولار قبل قيام الثورة البرتقالية إلى 12 مليار دولار حالياً. حيث قامت الوزارة ببيع سلاح وعتاد الجيش السوفييتي السابق، لتحتل أوكرانيا المرتبة السادسة بين دول العالم في تجارة الأسلحة. وتقدر المصادر الرسمية قيمة الصادرات الأوكرانية من الأسلحة بنصف مليار دولار أميركي في السنة.

ويترافق تصدير السلاح الأوكراني إلى جورجيا ولدول أخرى، بالبدء في تنفيذ برنامج الاتحاد الأوروبي «الشراكة الشرقية» الذي يستهدف تقريب الاتحاد الأوروبي مع أذربيجان وأرمينيا وجورجيا ومولدافيا وبيلوروسيا وأوكرانيا، والذي صرفت له اعتمادات تصل إلى 600 مليار يورو حتى عام 2013، تستهدف تعزيز مؤسسات الدولة والسيطرة على الحدود ومساعدة الشركات الصغيرة في الدول الست المشاركة.

وقد أثارت هذه الخطوات مجتمعة قلق روسيا، وشكوكها في جدية النوايا الغربية نحو تحسين العلاقات والتوصل إلى تفاهم مشترك يضمن استقرار منطقة الفراغ السوفييتى السابق، ففي الوقت الذي تواصل واشنطن مشروعها بنصب الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا، يتم تشكيل تكتل تحت عنوان الشراكة الشرقية بإشراف الاتحاد الأوروبي، ويفرض هذا التكتل حصاراً على الحدود الغربية والغربية الجنوبية لروسيا.

المثير للدهشة أن الغرب يسعى لتصعيد المواجهة بين روسيا وبعض دول الفراغ السوفييتي السابق، ليس فقط عبر تفجير ملف الغاز الروسي الذي يصدر إلى أوروبا عبر أوكرانيا وإنما أيضاً عبر التواجد العسكري المباشر في مياه البحر الأسود.

ويتنامى اعتقاد بأن نوايا الغرب لا تتضمن أولوياتها التوصل إلى اتفاق أو تفاهم مع روسيا، وإنما تستهدف بسط النفوذ الغربي على الدول المجاورة لروسيا ووسط آسيا، بهدف فرض حصار على روسيا، والوصول إلى منابع الطاقة والسيطرة عليها. ما يدفع إلى طرح تساؤل حول الجديد في سياسات إدارة أوباما الخارجية، وجدية مساعيه لإنهاء التوتر الذي يخيم على العلاقات الروسية ـ الأميركية على مدار السنوات الأخيرة.

المسألة ليست مجرد أقوال ونوايا، وإنما تحتاج لقرارات وأفعال جادة تدعم المساعي التي تبذل لحماية الاستقرار، وبناء العلاقات الدولية على أساس الاحترام المتبادل لمصالح وحقوق كل الأطراف. وحتى الآن لم تتخذ واشنطن قراراً واحداً يعبر عن صدق نوايا إدارة أوباما في إزالة التوتر الذي يسيطر على العلاقات بين موسكو وواشنطن، ولعل القمة الروسية ـ الأميركية ستكون المنبر الذي يكرس سياسة التقارب والتفاهم لحماية أمن البشرية.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru