لا شكَ أن الولايات المتحدة الأميركية بدأت تدخل عصراً جديداً في علاقتها مع العالم بعد تنصيب أوباما رئيساً لها. إن خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي ليس مجرد فصل من فصول قصة العلاقة مع الولايات المتحدة، ولكنه يعد بمثابة عقد جديد بينها وبين العالم الإسلامي.. تتحدد في ضوئه معالم السياسة الدولية القادمة.

ولا شك أن رسالة دولة الإمارات العربية المتحدة كدولة تجسد التنوع والتسامح تعطينا الفرصة للنظر لخطاب أوباما من منظور إنساني يركز على إمكانية بناء المبادئ الإنسانية والقيم العالمية المطابقة لطموحاتنا في التاريخ، من أجل تحقيق مشروع مجتمعنا في الانتقال الديمقراطي، ومن أجل ترسيخ قيم التراث والحداثة معاً، وتوسيع مجالات المشاركة وحقوق الإنسان، وبلوغ أهدافنا في التقدم والرخاء. إنها تمنحنا إمكانية بناء الذات والتصالح مع الآخر والعصر بأقصى ما يمكن من المسؤولية والتضامن.

ولا أظن أن إشارة أوباما إلى دبي جاءت اعتباطاً أو صدفة، فقد أشار إليها عندما قال: «أعلم أيضاً أن التقدم البشري لا يمكن إنكاره، فالتناقض بين التطور والتقاليد ليس أمراً ضرورياً، إذ تمكنت بلدان مثل اليابان وكوريا الجنوبية من إحداث تنمية ضخمة لأنظمتها الاقتصادية، وتمكنت في ذات الوقت من الحفاظ على ثقافتها المتميزة.

وينطبق ذلك على التقدم الباهر الذي شاهده العالم الإسلامي من كوالالمبور إلى دبي، لقد أثبتت المجتمعات الإسلامية منذ قديم الزمان وفي عصرنا الحالي أنها تستطيع أن تتبوأ مركز الطليعة في الابتكار والتعليم». هنا يشهد أوباما بحدوث تقدم باهر في دبي، والسياق أيضاً يدل على نظرته لدبي ؟ بين دول أخرى - بوصفها دولاً أحدثت تنمية ضخمة لأنظمتها الاقتصادية، وتمكنت في ذات الوقت من الحفاظ على ثقافتها المتميزة، فالتناقض بين التطور والتقاليد ليس أمراً ضرورياً.

لكنه أشار أيضاً إشارة أخرى يجب ألا نمر عليها مرور الكرام، وهي أنه «لا يمكن أن تعتمد أية استراتيجية للتنمية على الثروات المستخرجة من تحت الأرض، ولا يمكن إدامة التنمية مع وجود البطالة في أوساط الشباب، لقد استمتع عدد كبير من دول الخليج بالثراء المتولد عن النفط، وتبدأ بعض هذه الدول الآن بالتركيز على قدر أعرض من التنمية، ولكن علينا جميعاً أن ندرك أن التعليم والابتكار سيكونان مفتاحاً للثروة في القرن الواحد والعشرين».

ولاشك أن إشارة أوباما إلى ضرورة التركيز في دول الخليج على التعليم والابتكار، هو ما أدركته دولة الإمارات منذ أمد بعيد، حيث تركز السياسات على تطوير التعليم وتنمية الابتكار، ولا شك أيضاً أن دبي سارت بخطى ملحوظة على هذا الطريق، ولعل هذا ما جعل دبي تحتل مكان الصدارة في إشارة أوباما إلى التقدم الحادث في بعض دول العالم الإسلامي. ورغم كل الرسائل السياسية في خطاب أوباما، ورغم كثرة ما كتب عنه في الأيام الماضية، فإن هناك زاوية مختلفة أود أن أنظر منها إلى هذا الخطاب.

وهي الزاوية الفلسفية الحضارية. فخطاب أوباما مليء بالأفكار الفلسفية المستقاة من الفلاسفة الكبار، رغم عدم إشارته إلى أسمائهم، ونحن بحكم تخصصنا في الفلسفة يمكننا بسهولة أن نرجع كل قول إلى قائله الأصلي، ومن هؤلاء الذين نلاحظ سريان أفكارهم في خطاب أوباما: مايكل والزر الفيلسوف وأستاذ علم الاجتماع الأميركي، وجون رولز الفيلسوف وأستاذ علم الاجتماع الأميركي أيضاً، بالإضافة إلى هانز كونج صاحب كتاب أخلاق العولمة، وإمرسون الفيلسوف الأميركي، وغيرهم. فضلاً عن الاستشهادات العديدة من الكتب المقدسة.

وأوباما يستعيد في الخلفية الثقافية الفلسفية لخطابه أفكار الفارابي في «المدينة الفاضلة» بقدر ما يستعيد آراء مايكل والزر في «ميادين العدالة». كما يذكرنا بآراء ابن رشد في «فصل المقال»، بقدر تذكيره بآراء جون رولز في «نظرية العدالة» عن «الاتفاق بواسطة التقاطع»، للتخلّص من الانشقاقات والصراعات بين طوائف البشر.

إن «الاتفاق بواسطة التقاطع» الذي ركز عليه أوباما هو الأساس لشراكة أكبر بين أميركا والعالم الإسلامي، والشراكة العلمية والسياسية والاقتصادية هي السبيل لهزيمة الإرهاب، وهي النقطة الحاسمة في جهود مواجهة أيديولوجية هامشية يرفضها معتنقو كل الأديان. ومن الضروري ترجمة هذه الشركة إلى برامج فعلية للتواصل مع العالم الإسلامي.الأميركيين المسلمين أثروا الولايات المتحدة. والعديد من الأميركيين الآخرين لديهم مسلمون في عائلاتهم، أو عاشوا في بلد ذي أغلبية مسلمة. وأوباما واحد من هؤلاء.

إن يوم خطاب أوباما للعالم الإسلامي يصادف يوم دخول الدستور الأميركي إلى حيز التنفيذ في 4 يونيو 1789 كما يصادف أيضاً اليوم العالمي للأطفال ضحايا الاعتداءات، وهو مناسبة للتفكير وتبادل الرأي في جميع القضايا المتعلقة بالإنسان في عصرنا، خاصة وأن العالم المعاصر يجتاز مرحلة تحول نوعي كوني يرهن مصير الإنسانية ومستقبلها، الأمر الذي يقتضي الوقفة التأملية بما يمكن من إعادة بناء الأفكار حول السلام والتعاون المشترك والتعايش الإيجابي بين سكان العالم.

إن تلك الوقفة التأملية لن تكتمل إلا بتعزيز قبول الأفراد بالالتزام السياسي تجاه المجتمع والعالم على أساس المصلحة المتبادلة والمنطق، وإدراك مزايا مجتمع مدني تكون لأفراده حقوق وواجبات، وتأكيد حرية التفكير في قضايا العالم المعاصر، وما يطرحه من رهانات على المستقبل. ولن يتجاوز العالم المعاصر أزماته دون حوار جاد للحضارات.

وفي إطار هذا الحوار يجب أن يحمل كل طرف قدراً كبيراً من الاحترام لهوية الآخر وتنوعه، ولابد أن يدرك الجميع ضرورة الإيمان بالتنوع، ومن الضروري أن يتجاوز الأمر نطاق السياسة إلى توحيد قوى العلم؛ ففي عالم اختلال الموازين الدولية، يظل العلم عملاً إنسانياً يتجاوز الاختلافات الثقافية والعقائدية.

في خضم الضغوط العديدة التي يتعرض لها الإنسان المعاصر أياً كانت جنسيته تظل مقولة رالف والدو إمرسون ذات دلالة عميقة؛ فهو يقول: «أعظم إنجاز هو أن تحتفظ بشخصيتك في هذا العالم الذي يحاول باستمرار أن يجعلك شيئاً آخر». وهذا المعنى أكد عليه بطريقة أخرى باراك أوباما في كتابه: «أحلام من أبي: قصة العرق والميراث».

وفي رأيي أن الاحتفاظ بالهوية لا يعني بالضرورة رفض الآخر، ولا يتعارض مع التغيير نحو الأفضل، وإذا أردنا أن يتغير هذا العالم فلابد أن يبدأ كل فرد بنفسه؛ فما فائدة أن تغير العالم وأنت نفسك لا تزال تعيش في الماضي، أو كما يقول غاندي: «يجب أن تكون أنت التغيير الذي تتمنى حدوثه للعالم».

وفي رأيي أنه إذا ما غيرت نفسك ربما يمكنك تغيير العالم. هذا هو «التغيير الذي يمكن لنا الإيمان به» إذا جاز لنا استعارة تعبير أوباما. إننا يجب أن نسعى مع كل أحرار العالم من أجل تضامن عالمي يتجاوز الحدود القومية والثقافية والدينية، ويقوم على العدالة الدولية والاجتماعية، وعدم استخدام القوة في حسم الخلافات، وتدشِّين عهد جديد من السلام والمصلحة المشتركة والاحترام المتبادل.

جامعة الإمارات

Razak-doc@hotmail.com