أصدر معهد الاقتصاد والسلام بأستراليا «دليل السلام الكوني» السنوي الثالث الذي يحدد وضع السلام في العالم عام 2009. يشتمل الدليل على 144 دولة مستقلة تغطي ما يقارب 99% من إجمالي سكان العالم. يبين الدليل أن هذا العام كان أقل سلما إلى حد ما مما سبقه بسبب ارتفاع أسعار النفط والغذاء وأثر ذلك على اضطراب العديد من الدول التي تعتمد على استيرادهما. كما أنه شهد ركودا اقتصاديا كونيا حادا أدى إلى حدوث الأزمة المالية الراهنة، وما ارتبط بها من أزمات مثل: الرهن العقاري وانهيار قيمة العقارات وارتفاع نسب البطالة وشيوع حالات الإفلاس.
يستند الدليل إلى 23 مؤشرا كميا وكيفيا اتفق عليها الخبراء فيما يتعلق بدراسة أوضاع السلم الكوني، تشمل عوامل داخلية وخارجية خاصة بالدول تتراوح بين مستوى الإنفاق العسكري والعلاقات بالجيران ومستوى احترام حقوق الإنسان. إن الهدف الرئيس من الوقوف على حالة السلام الكوني هو التأكيد على أن نجاح الاقتصاد وتطوره واستقراره رهن بدرجة السلام التي تصل إليها الدول. ومن خلال متصل من 1 إلى 5 يحاول الدليل الراهن أن يقيّم 144 دولة ويرتبها كونيا حسب مستوى السلام الخاص بها، فكلما قلت الدرجة حصلت الدولة على مستوى سلام أعلى والعكس صحيح.
ورغم أن الدليل الراهن يرى صعوبة كبيرة في تحديد المقصود بكلمة السلام إلا أنه يحددها في النهاية من خلال غياب وضعية الحرب أو الصراع، فالدول التي لا تشهد أية صراعات خارجية أو داخلية هي الدول الأقرب لحالة السلام. ويتحدث الدليل عن حالتين من السلام أولهما السلام السلبي الذي يعني غياب حالة العنف، وثانيهما السلام الإيجابي الذي يعني وجود مؤسسات مختلفة مثل المؤسسات التعليمية ومؤسسات حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني الداعمة للسلام والمدافعة عنه.
ووفقا للدليل لا ترتبط حالة السلام فقط بالمستوى الاقتصادي لكنها ترتبط بجملة عوامل أخرى تشمل مستوى الجريمة في المجتمع وعدد رجال الأمن وعدد الجرائم لكل مئة ألف من السكان، إضافة إلى حالة الصراعات الداخلية ودرجة الاستقرار السياسي ووضع الجريمة المنظمة ومستوى التسليح والقوات العسكرية. فعلى سبيل المثال كلما زادت معدلات الجريمة أو زادت الاضطرابات السياسية أو زاد مستوى التسليح حصلت الدولة على درجات أعلى على مستوى التقييم من 1 إلى 5 والعكس صحيح.
جاءت نيوزيلندا في المرتبة الكونية الأولى كأفضل دولة في حالة سلام حيث ارتقت من المركز الثالث عام 2008 إلى المركز الأول للعام 2009 وذلك بسبب الاستقرار السياسي وانتخاب حكومة تحالف وطنية إضافة إلى قلة الجرائم والاحترام الواسع المدى لحقوق الإنسان. تلي نيوزيلندا الدول التالية على التوالي: الدانمرك والنرويج وأيسلندا والنمسا والسويد واليابان وكندا وفنلندا وسلوفينيا.
ومن بين الدول العربية المتقدمة جدا في درجة السلام وفقا للدليل قطر التي جاءت في المرتبة السادسة عشرة عالميا، تلتها سلطنة عمان في المرتبة الحادية والعشرين، والإمارات في المرتبة الأربعين، والكويت في المرتبة الثانية والأربعين، وتونس في المرتبة الرابعة والأربعين، وليبيا في المرتبة السادسة والأربعين، ومصر في المرتبة الرابعة والخمسين. وهي جميعها مراتب متقدمة في ترتيب السلام الكوني إذا وضعنا في الاعتبار أن دولا أخرى مثل الولايات المتحدة جاءت في المرتبة الثالثة والثمانين.
كشف الدليل عن تقسيم جغرافي وفقا لدرجة السلام الخاصة بكل منطقة حول العالم، وأهم ما يلفت النظر في هذا التقسيم هو العلاقة بين درجة تقدم المنطقة ودرجة السلام التي تسودها. جاء متوسط السلام في أوروبا الغربية 43, 1، وفي أوروبا الشرقية والوسطى 92, 1، وفي آسيا وأميركا اللاتينية 01, 2، وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 05, 2، وفي أفريقيا جنوب الصحراء 22, 2.
وفي ضوء تلك البيانات والأرقام يلاحظ أن أسوأ الدول التي تعاني من تردي حالة السلام داخليا أو خارجيا جاءت إما من الشرق الأوسط أو من أفريقيا جنوب الصحراء. فقد تربعت في نهاية قائمة الـ 144 دولة أربع دول عربية وإسلامية، إضافة إلى إسرائيل، حيث جاء العراق في ذيل القائمة، وأفغانستان في المركز 143، الصومال 142، إسرائيل 141، السودان 140، كما أن لبنان جاءت في المركز 132، واليمن 119، بدرجات تراوحت بين 3, 3 و3, 2.
يؤكد الدليل في النهاية على أهمية تفعيل الجوانب السياسية والاقتصادية من أجل توطيد حالة السلام وضمان الاستقرار وهي جوانب تحتاجها كافة الدول العربية بدرجات متفاوتة.
كاتب مصري
