الكثير من الخبراء والمسؤولين الدوليين ومنهم سكرتير عام الأمم المتحدة بان كي مكون يعتبرون مشكلة الأمن الغذائي العالمي أكثر خطورة وأهمية من قضية الأمن والسلام الدولي، خاصة وأن أكثر من نصف سكان الأرض يعانون من نقص في الغذاء، ويرى الخبراء أن هذه المشكلة تنمو وتتفاقم بشكل كبير يهدد مستقبل المجتمع الدولي، ولهذا نسمع دائما نداءات متكررة من الأمم المتحدة وسكرتيرها العام بضرورة التنسيق بين الدول الغنية والكبيرة لضمان الغذاء للدول الفقيرة والمحتاجة، وتعد روسيا من أغنى دول العالم في إنتاج الحبوب.
وقد شارك الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف في فعاليات منتدى الحبوب العالمي الذي أقيم في مدينة سانت بطرسبورغ الروسية في الفترة 6 ـ 7 يونيو الجاري، وقد صرح ميدفيديف في المنتدى بأن روسيا تعتزم استثمار أراض متروكة منذ عام 1991، وتوسيع جغرافية توريد الحبوب وكذلك مواصلة دعم مزارعيها.
وقال ميدفيديف «في روسيا توجد ما يقارب 40 بالمئة من أراضي التربة السوداء في العالم، ذات الخصوبة الطبيعية العالية جدا إلا أن قسط روسيا في إنتاج الحبوب عالميا يساوي حوالي 5 بالمئة فقط، في حين أن احتياطي المساحات الزراعية لديها لا يقل عن 14 بالمئة» .
و قد تحولت روسيا في الأعوام القليلة الماضية إلى أحد الضامنين العالميين للأمن الغذائي، حيث من المقرر أن تصدر ما يقارب 21 مليون طن من الحبوب إلى نحو خمسين دولة خلال العام الجاري، كما تعتزم روسيا توسيع جغرافية توريد الحبوب، وولوج أسواق بلدان جنوب شرقي آسيا، وزيادة قسط منتجات تصنيع الحبوب في الصادرات.
ويقدر الخبراء أن استهلاك الحبوب في العالم سيزداد حتى عام 2030، وفق تكهنات الخبراء، بنسبة 30 ـ 40 بالمئة، ولكن ما تعاني منه السوق العالمية للحبوب الآن هو عدم التنسيق، حيث يتركز إنتاج الحبوب في العالم في مناطق جغرافية معينة بينما تفتقر إليه مناطق أخرى، وعلى سبيل المثال فإن روسيا وأوكرانيا وكازاخستان تستطيع مجتمعة شغل 25 بالمئة من سوق الحبوب العالمية.
وتتصاعد درجة الاهتمام بسوق الحبوب العالمي في ظل ظروف الأزمة المالية العالمية بشكل كبير، هذه الأزمة التي ستؤثر بشكل كبير على مساعدات الغذاء التي تتلقاها الدول الفقيرة من الدول الغنية، وربما لهذه الأسباب نجد أن منتدى الحبوب الذي انعقد مؤخرا في روسيا قد ناقش بجدية قضايا عمل قطاع الحبوب في ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية واستقرار سوق الحبوب.
كما ناقش آليات وبرامج تحفيز نمو إنتاج الحبوب الوطني في مختلف البلدان. ودار الحديث في المنتدى حول إنشاء صندوق حبوب احتياطي دولي، وهو المشروع الذي تبدي روسيا له حماسا كبيرا خشية منها من استغلال قضية الغذاء العالمية في استغلال الشعوب واستثمارها في قضايا سياسية قد تؤدي لتفاقم مشاكل الجوع والفقر في العالم، وهي المشاكل التي تولد الأمراض والأوبئة وتخلق مناخ مناسب لتشكيل خلايا الإرهاب والتطرف.
وتأمل روسيا أن تلقى دعوتها لمواجهة هذه المشكلة العالمية أذانا صاغية واهتماما من كافة الدول والجهات المعنية، وترى روسيا أن قضية ألمن الغذائي العالمي مرتبطة بشكل كبير بقضايا الأمن والسلام الدوليين وأيضا بقضايا الحرية والديمقراطية والتنمية الاجتماعية، إذ ليس من المتصور أن يحل الأمن والاستقرار في عالم يعاني أكثر من نصف سكانه من الجوع ونقص الغذاء، ولا شك أن الدول الكبرى والغنية تقع عليها المسؤولية كلها في مواجهة هذه المشكلة بعيدا عن أية أهداف سياسية أو مصالح خاصة.
ولا يحق للبعض أن يشكك في نوايا روسيا من وراء دعوتها هذه، وقد حدث بالفعل أن شككت بعض الجهات بحجة أن لروسيا مصالحها الخاصة في الاهتمام بهذه القضية، ولكن على هؤلاء أن يعلموا جيدا أن روسيا تشعر بمسؤوليتها الدولية، وعلى من يشك في ذلك أن يبادر بمنافستها في هذا المجال من أجل فقراء وجياع العالم.
كاتبة روسية