لا أعتقد أن تعبير أسلمة الدولة هو أقرب إلى وصف حالة سعي قوى الإسلام السياسي لإلباس الدولة ثوب الدين والتدين. وذلك انطلاقا من حقيقة أن مجتمعاتنا هي في الأساس مجتمعات إسلامية وأن ما يقال عن انحرافها نحو «الجاهلية» وبالتالي فأن نزوع هذه القوى نحو أسلمة القوانين إن هو إلا عمل لحفظها من «الموبقات» هو في واقع الأمر إن هو إلا قولا وعملا سياسيا لا دينيا.

وبالتالي فأن الدعوة المطروحة، من قبل الكتل الإسلاموية الثلاث التي تحتكر ثلثي مقاعد البرلمان، لأسلمة القوانين (جريدة الوقت 6/6/2009) بالتالي تديين الدولة لا يخلو إطلاقا هو الآخر من نوازع وأهداف سياسية بعيدة المدى وإن حملت رداء الغيرة والرغبة في المحافظة على المجتمع.

وهو عملا كما نرى قد انشغلت به جماعات الإسلام السياسي في المنطقة العربية وإيران عنها الحال يختلف في تركيا وماليزيا واندونيسيا. وهي راية حملتها جماعة الإخوان المسلمين والسلف لإقامة «دولة الخلافة الإسلامية» وبعض جماعات الإسلام السياسي الشيعي لإقامة «دولة الفقيه». وهو هدف كما أشرنا تضعه هذه الجماعات في قمة أولوياتها تعمل على تحقيقه كلما سنحت لها الظروف ذلك.

فامتلاك جماعات الإسلام السياسي لعناصر القوة في المجتمع عبر حضورها الغالب في بعض المجالس التشريعية وهو الأمر الذي قد أتاح لبعضها إحداث اختراقات مهمة لأجهزة الدولة وبالتالي سيطرتها عليها وهي حالة بارزة في بعض الأقطار العربية والخليجية. وقد استطاعت تحديدا جماعتي الأخوان والسلف من نسج تحالفات سياسية مع النسق السياسي القائم أو مع رموز وشخصيات في مؤسسة الحكم والدولة أتاح لها هيمنة كاملة على بعض أجهزة الدولة التنفيذية وخلق لها نفوذا سياسيا واضحا في بعضها الآخر.

بل أن عناصر القوة السياسية قد اكتملت لديها عبر امتلاكها لأجنحة ومؤسسات اقتصادية ومالية داعمة ومعززة ليس فحسب لقوتها السياسية وإنما هي معززة لاستمرارية هذه القوة عبر منظماتها الأهلية الخيرية المتغلغلة في أوساط جماعات العوز الاجتماعي والاقتصادي.

وهي حالة قد خلقت لديها نوعا مما يسمى «بغرور القوة» وأحيانا أخرى قد اقتربت من حالة من حالات انفلات القوة عند بعضا من قيادات الصف الثاني منها ذات الخبرة السياسية القصيرة والنعمة المحدودة، والتي بدت بفعل عمليات التحشيد والبناء الإيديولوجي والتشكيل الثقافي السياسي الذي تخضع له، تحمل قيما مغرقة في الإقصاء والانفراد بالقوة ومنافعها دون الآخرين، وتعكس المؤسسات التي تسيطر عليها هذه القوى حقيقة ذلك. كما أن قيم النفي والتخوين هي الآخر تمثل أحد المكونات الأساسية في هذا التشكيل السياسي-الثقافي النازع نحو الاستحواذ على مصادر القوة وبالتي حصر منافعها في الجماعة والأنصار.

وتوظف هذه الجماعات حاجة بعض الدول في المنطقة العربية لتحالفات تنسجها لاحتواء الآخر المختلف أو إضعافه في تحقيق أهدافها السياسية ونوازع قياداتها في الصعود الاقتصادي.بل إن بعضا من قياداتها السياسية قد تحولت بفعل ذلك من خانة «محدودي الدخل» إلى نفر من أصحاب المال والجاه. وهم في بعضهم قد قدرت ثرواتهم بملايين من الدولارات. وهم قد دخلوا كما يقال العمل السياسي «حفاة» ويخرجون منه متخمي الأرصدة والأبدان.

ورغم اختلاف بين هذه القوى من الناحية السياسية ولربما المذهبية إلا أنها تتفق في عمومها على هدف تديين الدولة. فاحتساب بعضها على قوى الموالاة لا ينفي عنها هدف «تديين الدولة» وأسلمتها كما أن احتساب بعضها الآخر على قوى المعارضة لا يسقط عنها هدف التديين للدولة والأسلمة.

ولاترى هذه القوى في الغالبية المسلمة للسكان ضمانا لطبيعة هذه المجتمعات الإسلامية. بل أن الضمانة الحقيقية بالنسبة لها يتمثل في أن يكون الإسلام «المصدر الرئيسي للتشريع» وليس في كونه أحد مصادرها الرئيسية. وهي حالة عملت على تحقيقها قوى الإسلام السياسي في الكويت والأردن في قمة تحالفها مع الدولة ومع التضامنيات القبلية والمذهبية ولم تنجح في إحداث ذلك.

بل أن نزوع بعضها المتطرف للأسلمة قد أدخلها في حسبة باتت هي الخاسر الرئيسي منها كما تعكسه نتائج الانتخابات البرلمانية في كلا الدولتين. فنزوع الجماعات الاسلاموية الكويتية نحو إلباس مقترحاتها التشريعية لبوسا دينية قد خلق ردات فعل شعبية معاكسة قلصت من حجم حضورها في التشكيلة الأخيرة لمجلس الأمة الكويتي والذي أفرزته الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وخلاصة القول أن طبيعة السياق الثقافي والسياسي ولربما طبيعة الدولة وتضخم سيطرتها، في المنطقة العربية بالإضافة لطبيعة البناء الفكري والسياسي الذي يشكل فهم هذه القوى السياسي والاجتماعي، بالإضافة كذلك لانغلاق جل قياداتها على ذات الفكر والتوجه، وقلة خبرتها بالعالم وتحولاته العظيمة، فأن النصية السياسية ولربما الثقافية ـ الدينية لا تحدد فحسب ضيق ومحدودية أجندة عمل هذه القوى ونظام عملها وطبيعة علاقتها بالآخر المختلف في الداخل والخارج.

وإنما تعكسه كذلك تلك الحالة الاقصائية النابذة لكل ما أنتجه العالم من أدوات عقلية وأخرى تكنولوجية يَسَرْ بها العالم من حياة أفراده، وخلق فسحة ثقافية وسياسية لم يعد العالم قادرا على أن يعيش بدونها. بل ان بعضهم ولربما جلهم لم يعد قادرا على العيش دونها رغم نزعاتهم العصبوية الضيقة.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com