في عصر الثنائية الدولية زمن الحرب الباردة، تعود العالم على أن معظم المشاكل والأزمات الدولية والإقليمية هي من نتاج الصراع الأيديولوجي والاستراتيجي بين المعسكرين الشرقي والغربي، وانعكاس لتصادم الإرادات السياسية بين القوتين العظميين في ذلك الوقت الأميركية والسوفيتية اللتين كانتا تديران صراعهما في الحدائق الخلفية لكل منهما .
وفي الساحات الإقليمية بلا مواجهة مباشرة بعيدا عنهما إلا فيما ندر، ولم يكن حل واحدة منها ممكنا إلا وفق حقيقة بدت حاكمة في كل أزمة باتفاق أو بتوافق القوتين على حلها إما بالمقايضة أو بالمفاوضة، وفق موازين القوى أو موازين المصالح أو عند بوابات الخطر بما ينذر بخطر المواجهة المباشرة.
وفي عصر أحادية القوة بعد انتهاء الحرب الباردة بسقوط جدار برلين الفاصل وتفكك الاتحاد السوفييتي، ورغم ما بدا انفردا أميركيا كقوة عظمي وحيدة في العالم تمارس ضغوطها وإملاءاتها في الصراعات الإقليمية صنعا للأزمات أو حلا لها تصفية لحسابات الحرب الباردة، لم يغب الدور الروسي الذي ورث مكان الاتحاد السوفييتي لكنه لم يرث مكانته السابقة ولا أيديولوجيته الراديكالية السابقة، ولا دوره السابق في مواجهة التمدد الغربي في العالم الثالث ومناصرة قضايا التحرر الوطني بالسياسة وبالسلاح، وفي صنع توازن للقوة والردع كان يسمح للقوي الإقليمية بهامش واسع للمناصرة أو للمناورة.
ولم يغب الدور الروسي عن المشاركة في إدارة شؤون العالم إلا لبضع سنوات في عهد الانكفاء على الذات عن التأثير القوي في شؤون العالم، ولم تغب تلك الحقيقة السابقة تماما مع غياب عصر الثنائية الدولية، وعادت بدرجة أو بأخرى مع تعثر الانفراد الأميركي بحل قضايا العالم مع عهد الرباعية الدولية بما يشير لطبيعة العصر القادم بعد التراجع الأميركي والفشل الأميركي لسياسة القوة العسكرية والاقتصادية بعد الأزمة المالية.
وصعود إدارة أميركية جديدة تبشر بالتغيير الأميركي والعالم وبالشراكة لا بالانفراد وبالسياسة لا بالقوة، ومع استعادة تدريجية للدور الروسي وصعود قوى عالمية جديدة كالصين والهند وإقليمية جديدة كتركيا وكوريا وإيران وماليزيا والبرازيل بما يبشر بعصر قادم جديد هو عصر تعدد القوى.
لقد كان آخر أشكال دور الثنائية الدولية بالشراكة الأميركية السوفييتية فيما يتصل بالتعامل الدولي مع قضايانا الملحة في الشرق العربي هو في مؤتمر مدريد في بداية التسعينات حيث كانت الدولتان الكبريان حينها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي رسميا هما راعيا «عملية السلام في الشرق الأوسط»، لكن ما جرى بعد ذلك من تطورات داخلية روسية وخارجية أميركية، أشار إلى تراجع الدور الروسي عن التأثير بدرجة كبيرة عن حل قضايا منطقتنا بينما انفردت القوة الأميركية الغاشمة بالفعل ثم بالشراكة مع عدونا الصهيوني بالحرب والغزو والاحتلال حتى مؤتمر «أنابوليس» الذي وعد بحل الدولتين في فلسطين.
ووعد أيضا بمؤتمر دولي في موسكو لبحث قضايا الحل الشامل على بقية الجبهات السورية واللبنانية، ولكن إسرائيل ليبرمان ونتانياهو رفضت الاعتراف بحل المؤتمر الأول رغم قرار بتأييده من مجلس الأمن، ووضعت شروطا مخالفة لرؤية موسكو وواشنطن لعرقلة عقد المؤتمر الثاني..
وهذا ما يدعونا في العالم العربي والعالم الإسلامي ولإدراك أن الأمر مرهون بنا أولا قبل غيرنا، فبقدر ما ننجح نحن في التأثير إيجابيا على أنفسنا، ننجح في التأثير على الآخرين.