قبل أن يكمل أوباما دقائق قليلة من إلقاء خطابه، هتف الفنان المصري المعروف شريف منير بالإنجليزية قائلا «أحبك يا أوباما» فأجاب الرئيس الأميركي على الفور، وفي وقار «شكراً». وما إن انتهى الرجل من إلقاء الخطاب حتى حول الشباب الذين كانوا يحتلون الشرفات العليا للقاعة ما قاله شريف منير إلى هتاف ذي وقع موسيقي «نحن نحبك»، فلوح لهم أوباما كثيرا قبل أن يغادر القاعة. وتلك اللقطات السريعة لا تجسد فقط نوع التفاعل الذي دار في القاعة بين أوباما وجمهوره، وانما تحكي أيضا الكثير عن أوباما نفسه وعنا نحن العرب.

فالفنان المصري هتف بحبه لأوباما قبل أن يعرف ما سوف يقوله عن القضايا المهمة، فقد تفاعل هو والشباب بل والكثيرون غيرهم في القاعة مع كاريزما أوباما التي لا يمكن إنكارها. أما أوباما البراغماتي والمثقف في آن معا فلم يشأ أن يتجاهل التحية العاطفية، ولكن رده كان منضبطا ومحسوبا. فلم يكن من الممكن أن يقول مثلا وأنا أيضا أحبكم كما يفعل في أميركا وإلا قامت الدنيا ولم تقعد في بلاده.

والحقيقة أن كاريزما أوباما آسرة فعلا. لكنني كمصرية، تعتز بجمال عبد الناصر زعيما مصريا ولكن تعي تماما ما له وما عليه، أدرك تماما أن للانجراف الجماهيري بفعل الكاريزما مخاطره، وهو أمر يدركه أيضا الأميركيون الذين عاصروا جون كيندي ويخشونه في الواقع في حالة أوباما.

لكن كاريزما أوباما كان يصاحبها أيضا لمن يريد أن يتلقى براغماتيته الشديدة. فهو جاء أصلا إلى القاهرة لإلقاء ذلك الخطاب لأنه يؤمن تماما بأن سياسة بلاده تجاه العالم الإسلامي قد ثبت فشلها الذريع وأنه قد آن الأوان لتجربة سياسة جديدة تقوم على رؤية مختلفة وخطاب أكثر توازنا.

بعبارة أخرى، جاء أوباما للقاهرة من أجل هدف واحد فقط هو مصلحة أميركا ولا شيء غيرها. ورغم الكثير مما كتب عن أوباما «الطيب» فإن الرجل لم يأت ليمنح هدايا مجانية لأحد ولم يقل أية كلمة مما قال إلا لأنه يؤمن بأنها تصب مباشرة في مصلحة بلاده.

ومن هنا، فإننا إذا قرأنا خطاب أوباما بمنطق العاطفة فسوف نخرج بالضرورة بنتيجة إيجابية للغاية أو سلبية للغاية. أما إذا قرأناه كخطاب سياسي من رئيس أميركي انتخبه الأميركيون ليحقق مصالحهم فستكون القراءة جد مختلفة.

ولعل أكثر الأجزاء إيجابية في خطاب أوباما هو ذلك المتعلق بالقضية الفلسطينية. ومصدر الإيجابية ليس أن ما قاله كان مناصرا للحق الفلسطيني ـ فهو رئيس أميركا صاحبة العلاقة الوثيقة التي لم ينكرها بإسرائيل ــ وانما مصدر الإيجابية يأتي من أنه في ظل الضعف العربي الراهن وبالمقارنة بالخطاب الأميركي الرسمي منذ عهد ريغان، كان ما قاله أوباما معقولا. فلأول مرة منذ عقدين كاملين نسمع رئيسا أميركيا يتحدث عن المستوطنات بمنطق عدم شرعيتها.

فباستثناء بوش الأب، تحدث الرؤساء الأميركيون منذ عهد ريغان عن المستوطنات باعتبارها مجرد «عقبة في طريق السلام» وليس عملا غير قانوني لا مشروعية له أصلا. ورغم أن أوباما لم يعلن القدس عاصمة للدولتين، إلا أن ما قاله يظل أفضل من القانون الأميركي نفسه الذي ينص منذ عام 1996 على اعتبار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل.

ولعلها مسألة مهمة أن أوباما حين تحدث عن أهل الضفة وغزة فإنه شرح معاناتهم باعتبارها معاناة شعب يرزح تحت «الاحتلال» لا باعتبارهم يعيشون على أرض «متنازع عليها» كما قيل طوال السنوات الماضية. ورغم أن أوباما حين تحدث عن «حماس» استخدم تعبير المقاومة لا الإرهاب، إلا أنه دعا لنبذ العنف مستخدما مقارنة لا تليق بأستاذ القانون، حيث قارن بين حالة الفلسطينيين ووضع السود في أميركا وفي جنوب افريقيا.

وهي مقارنة لا محل لها من الإعراب في الواقع، إذ لا يجوز مقارنة استعمار استيطاني الفاعل الرئيسي فيه هو الجيش الإسرائيلي بوضع السود في أميركا الستينات. وقصة راشيل خوري الأميركية كنموذج للعصيان المدني التي سحقتها الدبابات الإسرائيلية خير دليل على فساد تلك المقولة.أما جنوب افريقيا فمن قال ان العنف لم يستخدم في نضالها وإلا ما الذي دعا الكونغرس الأميركي لاعتبار نيلسون مانديلا «إرهابيا» لسنوات طويلة؟!

وأوباما أيضا بارع في إحداث التوازنات الدقيقة والتي اتضحت حتى قبل أن تطأ قدمه الأرض المصرية. فهو جاء لإلقاء خطاب للعالم الإسلامي، فلم يشأ أن يزور إسرائيل، ولكنه خرج من القاهرة مباشرة لزيارة معسكر للنازي في ألمانيا. وبنفس المنطق، فإن الجزء الذي تحدث فيه عن الهولوكست، رغم أنه ربطه بشكل غير مقبول بإنشاء إسرائيل، إلا أن تلك الصيغة سمحت له بالهروب مما يريده الإسرائيليون، وهو أن يذكر «حق اليهود التوراتي في تلك الأرض».

أما الجزء الذي تناول فيه أوباما أفغانستان والعراق، فقد جاء بمنطق الامبراطورية الأميركية نفسه الذي استخدمه جورج بوش، فكان أسوأ أجزاء الخطاب. ففي حالة أفغانستان استخدم أحداث سبتمبر التي راح ضحيتها مدنيون أبرياء ليبرر استراتيجيته الهجومية التي ضمت باكستان لأفغانستان ويروح ضحيتها الآلاف من المدنيين الأبرياء قتلا وجرحا وتشريدا وتهجيرا.

والشيء نفسه يصدق على العراق. فرغم اعترافه بأنها حرب اختارتها أميركا ولم تفرض عليها إلا أنه لم يشر إطلاقا لتعويض العراقيين الذين دمرت بلادهم أو فقدوا ذويهم أو هجروا قسرا. أما باقي أجزاء الخطاب فقد كانت براغماتية أوباما حاضرة فيه بوضوح، من إيران إلى المرأة، ومن الحريات الدينية والديمقراطية إلى العولمة.

وبسبب الحضور الطاغي لأوباما البراغماتي كنت أشعر بالحيرة حين تضج القاعة حولي بالتصفيق كلما تحدث أوباما عن عظمة الإسلام والحضارة الإسلامية أو اقتبس من القرآن. ففضلا عن أننا لسنا في حاجة لتأكيد من أحد على عظمة الإسلام وحضارته، فإن مشكلتنا مع أميركا ليست ثقافية ولا دينية، وانما هي مشكلة سياسية تتعلق «بالسياسة» الأميركية تجاه دول العالم الإسلامي.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com