لعلّ السجال الأميركي ـ الإسرائيلي الذي بدا مؤخراً حول قضية الاستيطان، مؤشر الى مضمون جديد لما يسمى «العلاقات الخاصة» بين واشنطن وتل أبيب، إذ لم تمض أيام بعد على خطاب الرئيس باراك أوباما في القاهرة، وتصريحاته التي تلت الخطاب في زيارتيه لكل من ألمانيا وفرنسا وأكد فيها مطالب الإدارة الأميركية من إسرائيل بوقف كل النشاطات الاستيطانية، وتذكيرها بحل الدولتين، حتى جددت حكومة نتنياهو رفضها لهذه المطالب، وأكدت في تحدّ واضح للإدارة الأميركية، أنها ستواصل العمل في مشروعاتها الاستيطانية في الضفة الغربية، بذريعة تفاهمات مع إدارة الرئيس السابق جورج بوش.
ومع أن هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية نفت على الفور أن يكون هناك مثل هذه الاتفاقات وقالت موضحة: «لدي محاضر المفاوضات والوثائق الرسمية التي سلمتها إدارة بوش لإدارة أوباما، وهي كلها لا تتضمن أي اتفاق شفوي أو خطي، ولا أي موقف أميركي رسمي حول الاستيطان».. إلاّ أن حكومة نتنياهو واصلت تنفيذ أوامر الهدم في القدس وتهجير المقدسيين، وأكدت أن مشروعها الاستيطاني لن يتوقف.
هنا لابد من الوقوف عند الموقف الأميركي الجديد من مسألة الاستيطان، إذ إن الظاهر في تصريحات الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته كلينتون أنها تشير إلى صلب المشكلة الاحتلالية للأراضي العربية، وهي الأراضي التي لن تستقر أوضاع المنطقة ولن تحل مشكلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي دون إعادتها لأصحابها الشرعيين.
وهذا يعني أن ثمة فهماً أميركياً لحقيقة أن الاستيطان يعني الاحتلال، وان هذا الاحتلال يفترض أن يزول لتتحقق غاية السلام التي أوضح الرئيس أوباما أنه سيعمل عليها.
لكن الاستيطان هو جانب من المشكلة وليس كلها، وصحيح أن كلينتون ذكّرت إسرائيل بأن عليها الالتزام ببنود خريطة الطريق لكونها الخطة الدولية لإحلال السلام مع الفلسطينيين، وتنصّ على إقامة الدولة الفلسطينية، إلاّ أن ثمة حقوقاً والتزامات اخرى يفترض بالإدارة الأميركية العمل على إلزام إسرائيل بتنفيذها، وهي هنا استحقاقات السلام العادل والشامل الذي يقوم على انسحاب إسرائيل التام من كل الأراضي العربية المحتلة بعد عدوان حزيران 1967 وإعادة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمها حق العودة والدولة المستقلة وعاصمتها القدس، أي التركيز مجدداً على أسس وبنود مرجعية مؤتمر مدريد وقراري الأمم المتحدة 242 ـ 338.
وعندما يبدأ العمل على هذه الاستحقاقات كسلة متكاملة، فإنه يمكن القول: إن دعوات السلام تحوّلت أفعالاً على أرض الواقع، وإن قطار السلام قد انطلق على سكته الصحيحة.
