في كلمة اتسمت بالوضوح والصراحة والمكاشفة الى الشعب الاردني حدد جلالة الملك عبدالله الثاني يوم امس عشية الاحتفال بمرور عشر سنوات على تسلمه سلطاته الدستورية ملامح المرحلة المقبلة التي يعبرها الاردن بالقول في كلمات تنطوي على رسائل عديدة ''نحن عازمون في المرحلة القادمة على مراجعة شاملة لتقييم تجربتنا في السنوات الماضية وتجنب الاخطاء والتقصير اينما كان، وتفعيل دور المؤسسات وادائها لتسريع عملية الاصلاح والتحديث والتنمية التي تنعكس اثارها على المواطن وتجعل من الاردن الوطن القوي المزدهر''.
نحن اذا امام برنامج عمل وطني جديد ويراكم على ما تم انجازه، يحدد الاولويات ويعمل على كشف مواطن الضعف وتلافي الاخطاء والتقصير إن وجد ولكن في الاساس يضع مسألة تفعيل دور المؤسسات وادائها على سلم جدول الاعمال وفق برنامج زمني محدد يلحظ تسريع عملية الاصلاح والتحديث والتنمية.
من هنا جاءت اشارات جلالة الملك المثقلة بالمعاني والدلالات الى السنوات العشر الماضية التي هي استمرار لمسيرة البناء والتنمية التي بدأها الاباء والاجداد حققنا خلالها الكثير من الانجازات وبنينا على ما بناه الجد المؤسس والحسين الباني.
ولئن اعاد جلالة قائد الوطن وحادي مسيرته المظفرة الى تذكير الاردنيين الاوفياء بأن بلدهم اقوى وأحسن حالا مما كان عليه فانما للاشارة الى اننا قطعنا شوطا طويلا على طريق الانجازات والنجاحات وتجاوزنا الكثير من التحديات والظروف الصعبة لان الواقع الميداني المعاش قد اكد للجميع ان الاردن لا تزيده التحديات الا قوة وثباتا واصرارا على تحقيق اعظم الانجازات رغم شح الموارد وتواضع الامكانات.
واذ لفت جلالة الملك ابناء شعبه الى ان مسؤولية بناء الوطن وتحقيق التنمية الشاملة ليست مهمة القائد وحده في دعوة واضحة من قائد الوطن الى مشاركة المواطن في تحمل المسؤولية واتخاذ القرار فان جلالته كان واضحا في تعويله على الشباب الاردني الذي يجب وبالضرورة ان يكون لهم الدور الاكبر في بناء الوطن.
الكلمة الملكية التي جاءت في احتفالات الاردنيين بمرور العشرية الاولى على تولي قائدهم سلطاته الدستورية كانت اعادة تأكيد على الثوابت التي يمنحها جلالته الاولوية على جدول اعماله الشخصي والتي كانت مسألة تحسين مستوى معيشة المواطن الاردني ومعالجة مشاكل الفقر والبطالة وتقديم افضل الخدمات الصحية والتعليمية له على رأس اولويات جلالته منذ اليوم الاول لتسلمه مسؤولياته وفرصة لحث الاردنيين على مواصلة مسيرة البناء والاصلاح والتحديث والتنمية لان ما يزال امامنا الكثير في تجسيد رؤية جلالته لاردن المستقبل هذه الرؤية التي قامت على الاستثمار في الانسان الاردني وفي تعليمه وتدريبه وتوفير فرصة العمل لكل الشباب ومأسسة المشاركة في صنع القرار واعتماد مبدأ اللامركزية في الادارة وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة وتحقيق العدالة والمساواة بين الجميع.
جملة القول ان جلالة الملك في كلمته الشاملة عشية الاحتفال بهذه المناسبة العزيزة على قلب كل اردني واردنية رسم تفاصيل المشهد الاردني وبخاصة في التأكيد على ان مسيرتنا الديمقراطية هي الضمانة لحماية حقوق الانسان الاردني وحرياته وكرامته وان الالتزام بروح الدستور هو الضمانة الحقيقية لحماية هذه المسيرة من التراجع او الانحراف بها عن مسارها الصحيح مؤكدا جلالته على مقولته السابقة وهي ان العمل والعطاء هو المقياس الحقيقي للمواطنة والانتماء وان الحفاظ على الوحدة الوطنية هو واجب مقدس وهو فوق كل الاعتبارات وفي ذلك رسالة واضحة لكل من يهمه الامر في هذا البلد ونحسب اننا جميعا معنيون بمضامين هذه الرسالة الملكية الواضحة.
الحال ان الكلمة الملكية شكلت ايضا مناسبة لاعادة التأكيد على ثوابت المواقف الاردنية العربية والاسلامية المعروفة والمتواصلة في الوقت ذاته الذي سيبقى بلدنا وشعبنا على وفائه للقضية الفلسطينية بما هي قضية الاردن والاردنيين مثلما هي قضية الفلسطينيين وسنبقى على الدوام الى جانبهم مثلما قدمنا الشهدناء وتقاسمنا لقمة العيش معهم وتحملنا فوق طاقتنا حتى يقيموا دولتهم المستقلة على ترابهم الفلسطيني .. فهم اهلنا واشقاؤنا ونحن الاقرب اليهم في الدم والقربى والمعاناة والمصير.
