انتهت (أزمة) الانتخابات اللبنانية على خير، وقد استحقت صفة الأزمة لما شاب الحملات التي سبقت عملية التصويت من نبرة عالية وحشد واستقطاب شديد لكافة الفئات على الارض اللبنانية. لكن حين دنت ساعة الحسم اثبت الشعب اللبناني، من خلال عملية التصويت الهادئة والواثقة في نفس الوقت ان الشعب اللبناني جدير بان يتلقى التهنئة من خصومه قبل احبائه وانصاره ومؤيديه.
وهذا ما حدث عقب اعلان النتائج النهائية للانتخابات النيابية امس. فتهنئة للبنان على تلك الظاهرة الحضارية التي سجلها لنفسه وتهنئة لكل اطياف العقل السياسي اللبناني على قدرتهم على ضبط النفس وقبول كلمة الشعب ونتائج الصندوق وايضا على التعقل الذي تلقى به الفائزون نتائج الفوز مؤكدين ان العمل الوطني على الساحة اللبنانية يعني تعاون الجميع وتكاتفهم وليس الفائزين وحدهم.
لقد صوت الشعب اللبناني لصالح سيادته وعروبته واستقلاله ولكي يظل هذا البلد العربي الاصيل متمسكا بقوميته ومرتبطا بمحيطه الاقليمي ارتباطا مصيريا.
وكما يتوقع الاشقاء من الشقيق فإن العرب يتوقعون من لبنان الجديد ان يتمسك بثوابت قضايا الصراع العربي ـ الاسرائيلي كعهد العرب به دائما، وحل كافة القضايا الخلافية الداخلية على اساس هذه الثوابت. وفي نفس الوقت يتوقعون مزيدا من قوة الدولة المركزية وهيمنتها على شؤونها وتعزيز قدرتها على خدمة شعبها ، فالشعب اللبناني يستحق بالتأكيد كل هذا الحب والتأييد والدعم الذي لقيه عقب ظهور النتائج، فالديمقراطية اللبنانية تأخذ مكانها في قلب العرب كجوهرة التاج، ولم ينل منها طول الاختلاف حول الدوائر الانتخابية والمغالبة الحادة بين المعارضة والموالاة طيلة الحملات الدعائية قبيل الانتخابات التي جرت امس الاول.
وكان مجلس التعاون لدول الخليج العربية من اول المرحبين بنتائج الانتخابات اللبنانية من خلال البيان الذي اعلنه في الرياض امس الامين العام للمجلس عبدالرحمن بن حمد العطية الذي تمنى للاشقاء في لبنان تحقيق ما يصبون اليه في ظل البرلمان الجديد.
كما ان الاشادات من الجانبين الاوروبي والاميركي كانت اضافة مهمة الى رصيد لبنان الحضاري والتزامه القوي بسلمية وديمقراطية الحراك السياسي والتنادي بكثافة الى تأكيد حق هذا الشعب العربي في ان يقرر مصيره ومستقبله الوطني والسياسي والقومي.
وسيظل لبنان بادائه الراقي على هذا النحو الذي تابعه العالم خلال الانتخابات الاخيرة تلك المدرسة التي تؤصل مفهوم الممارسة السياسية الواعية والتي تحترم حقوق كل الاطراف وتأخذ بمبدأ اتاحة الفرص كاملة لكل من يريد المساهمة في تحديد مستقبل بلاده مهما كانت المخاوف والتهديدات . فقد ظن كثير من المراقبين ان الطرف الاقل في عدد المقاعد سيرفض نتيجة التصويت وينثر الغبار على طريقة التصويت او فرز الاصوات، وهو ما لم يحدث ، ومن ثم هدأت الاعصاب وانصرف اللبنانيون الى ترتيب بيتهم السياسي من الداخل بثقة واقتدار ومن ثم استحقوا التحية مشفوعة بالتهنئة الحارة على هذا الأداء الرائع.
