بلا ضجيج أو مقدمات تبالغ بالحدث، رغم أهميته، وقّعت أربع دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي اتفاقية الاتحاد النقدي، وهي سابقة جديدة لم تتحقق إلا للاتحاد الأوروبي، وقبل أن نحكم على إتمام المشوار الطويل، فإن هذه الخطوة توضع كعلامة فارقة في كل الاتفاقات العربية..

فقد تعودنا أن تأتي الاتحادات والوحدات العربية كمشروع مثالي، لكنه يتم مثل خطبة زواج تنتهي بالطلاق، وهو ما حدث في وحدة مصر وسورية، والاتحادات العربية التي تقسمت وفق الحدود الجغرافية، وحتى مجلس التعاون ، عندما بدأ كفكرة ، ثم جس نبض، فاجتماعات ، صاحبه عديد من الشكوك وعدم التفاؤل لكنه استطاع أن يبدأ بالمهم، إذ جاء دخول مواطني هذه الدول بالبطاقة، إزاحة لأهمّ إجراءات معقدة، والأهمية الكبيرة تأتي من الاقتصاد أولاً وأخيراً، لأن المشاركات الوطنية، وتسهيل عمليات انتقال رؤوس الأموال والبشر، هي الكشاف الحقيقي لإمكانات النجاح، أو الإخفاق، وبادرة هذه الاتفاقية توضع كعلامة لقطع الخطوة الأولى نحو الطريق الأبعد والأهم..

مقومات النجاح حاضرة بقوة، وحتى انسحاب الإمارات وفق قناعاتها الخاصة، ربما يعالج بأفق أكثر رحابة، إذ حدثت خلافات بين معظم هذه الدول، وهو أمر طبيعي لأن في الأسرة الواحدة هناك من لا تتطابق أفكاره مع أخيه أو والديه، والاعتبار هنا أن ندعم القواسم المشتركة سواء من خلال الترابط الاجتماعي، أو الاقتصادات المتشابهة، والحدود الجغرافية المتجاورة، والموضوع لا يدخل في الأماني، لأن إيجاد وحدة نقدية لأكبر تجمع اقتصادي عربي، وربما يصنف ضمن الاقتصاديات العالمية الواعدة، يفترض أن نجعل المصالح تعلو على الخلافات أو العواطف لا سيما وأننا نعيش عصر التكتلات الكبرى، والتي لن ترحم الضعفاء، أو المترددين في تخطي واقعهم، ورسم سياسات تنبني على التطور وتحقيق النتائج..

المشوار في بداياته، غير أن وضع الركائز الأولى يؤكد أن هناك نضجاً فكرياً بدأ من القاعدة، وإلى القيادات العليا، لأن مشروعا كهذا، يعني تخطي المألوف وترسيخ مفهوم البناء لأجيال المستقبل، خاصة وأن دول الخليج تعتمد على مورد واحد تهدده ظروف مجهولة فيما لو اكتشفت طاقة بديلة، ولعل توظيف عوائد اليوم في البنى الأساسية، وإعطاء الفرصة للشباب في التعليم ، والاستقلالية في التفكير الحر، والمشاركة الشعبية في القرار، تعتبر المكمل للمسار الاقتصادي، ويجب أن لا نخجل من ظروف الماضي الشحيحة، أو تغرينا طفرة اليوم بأن كل الأمور تسير بالاتجاه السهل، لأن المعاناة قد تبدأ من مفاجآت غير متوقعة، ويكفي أنه لولا سلامة الاتجاه الاقتصادي لهذه الدول أو بعضها، لعصفت بها أزمة النقد العالمي، وباعتبارنا شركاء مع الطرف الخارجي، فإن أمننا وسلامتنا، إذا قسناهما بالعقل والوعي المتطور لا يمكن تأمينهما إلا من خلال صياغة أهداف عليا، ونظرة بعيدة للمستقبل البعيد..